المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ارواح جائلة


فوزي بيترو
10-21-2008, 12:58 PM
العصافير .... أرواحٌ جائلة
كالعادة كل صباح . مع اول شعاع للشمس , مشى عصفوري على مهل امام عشه القابع داخل فتحة مهترئة من منزل
آيل للسقوط . نفض ريشه وعيناه تنظران الى بعيد . تنظران في لهفة . لاحت لعينيه اغصان شجرة الأسكدنيا الهرمة .
تسائل في فزع :
ــ هل تقوى هذه الأغصان الهشَّة على حمل الثمر؟ وهل هي تثمر بعدما شاخت وولَّت جاذبية زهرها ؟

ها هو عصفوري يرنو بأفكاره ِ نحو هجر عشه القديم الذي أتَتْ عليه عوامل الطبيعة التي لا ترحم حيوانا او نباتا او
حتى مكان . بدأ يُغرد حزينا بعدما ساقته أفكاره لتغيير نمط حياته حين أصبح وحيداً . فرحيل عصفورته وشريكة
عُمْره , وإنشغال كتاكيته الصغار بعششهم وبأمور حياتهم , ولإنحسار جلسات السَمَرْ مع نُدَمائه الى أدنى مستوى
عصفت بالتناغم الذي كان ينعم به وكدرت صفوه . حتى اصبح هاجسه الوحيد مسكوناً بالطريقة التي سَيُمضي بها
الباقي من العمر .
بدأ يبحث في مواقع ليست نائية . فبعدما عبرهذا الكم من السنين , اصبح غير قادرا على الطيران لمسافات بعيدة
كأيامه الخوالي عندما كان يافعا يُحلق كالنسور بلا كلل وبلا ملل . يخشى عصفوري العزلة كخشية السجين للحبس
الإنفرادي ويرغب ايضا بموقع قريب من أبنائه العصافير كي لا يتثاقلوا بزيارته كلما سنحت الفرصة وواتهم الظروف .
ولهاجس يتوَضَّعُ في الجينات الملتصقة بكروموزوماته , يخشى عصفوري أن يُصطاد من قبل أحد محترفي الصيد , أو
أن تتعَثَّر قدماه الصغيرتان وتنشبك في فخ هاوٍ غَضّ . لذلك , ترى روحه تهفو للأماكن المأهولة والمُتحضِّرة , والتي
إكْتوَتْ بنارالقتل والتقتيل , فهم الوحيدون اللذين يُقدِّرون قيمة الحياة , وهم وحدهم اللذين يَعُون نعمة العيش بكرامة .
أخذ يحومُ في الفضاء الرحب , باحثاً عن موقعٍ مناسبٍ لبناء عشه الجديد . طار فوق قِلاع مهجورة , وفوق هضاب
تكسوها الخضرة وفوق وديان تغمرها المياه . عَصَفتْ به الحيرة , فلكل موقع , جانب تهفو اليه القلوب , وجانب آخر
تأنفه الأكباد والعقول . إن حَطَّ بمكانٍ , والجيرة كانت عقبانا وبوم ؟ فوداعاً للنوم قرير العيون .
قاده جناحاه وذيله نحو منازل يسكن بها بشر . تريَّثَ قبل ان يهبط فوق سطح أحدها , وكاد ان يبتعد طائرا من حيث
أتى . غرَّدَ في سرّه قائلا :
ــ إن عهد الطرائد والصيد قد ولّى , وها هم أطفالهم يلهون بالتلفاز وبالأنترنت وبهواتفهم المتنقلة , والقادم أعظم . فلا
وقت لديهم , ولا إهتمام لملاحقة عصفور مثلي كان له في الماضي شأن . ولربما من فتات موائدهم ومن ثمار ما
يزرعون في حدائق منازلهم , أُرزَقْ؟
وقع إختياره على مزراب قديم , غير مستعمل . بنى عشه في إحدى فتحاته الصدِئة . وقف بباب العش يُغرِّد ويستكشف
الجوار , قاده نظره نحو رجل طاعن في السن في الغرفة المطلة على عشه مباشرة . أدرك العصفور , وبحكم الخبرة
ما يعانيه هذا الشيخ العجوز . فغرَّدَ هامساً :
ــ ان حاله مثل حالي . فترفَّقي به يا أيام .

بدأت الصداقة غير المُعلنة بين عصفوري والعجوز تنمو وتتشكَّل مع الأيام لِتأخذ منحىً حميمياً من طرف العصفور ,
ومن طرف العجوز ايضاً . فها هما يتبادلان تحية الصباح , وتحية قبل النوم , ويتقاسمان لقمة العيش والملح , ويَهيمان
مع ذِكرى الأيام العبقة بعطر الورود , ويستذكران الّلَيالي المُثقلة بالغيوم .
في يوم من الأيام , جاء لزيارة العجوز أبنائه وزوجاتهم . وقف العصفور بباب عشه يرنو بنظره نحوهم , ومن شدة
تأثره , طاف الدمع في عينيه وأبى ان ينزلق خارجاً , فمسح عينيه بجناحيه قبل ان يرمقه العجوز ويسأله عن سبب
هذه الدموع .

كان الوقت فجرا حين استيقظ العصفور على صوت العجوز وهو يَهِمُّ بفتح نافذة غرفته مع اول دفوق لشعاع شمس
الصبح . كان كالغريق الذي يروم الهواء . سقطت من يده حبة الدواء التي اعتاد ان يضعها تحت لسانه كلما انتابته
الأزمة الى الأرض خارج النافذة . وكالسهم ......
إنطلق عصفوري نحو الحبة , إلتقطها بمنقاره وعاد لصاحبه . وجده مُمَدَّداً قرب النافذة فاقد الوعي . حاول إدخال
الحبة داخل فمه , لم يفلح , حاول محاولة أخرى , وفشل . فجلس فوق صدره يَئِنُّ , ويُنصتُ لدقات قلب خليله وهي
تخبو وتبتعد الى مجهولٍ , لم يعد مجهولاً لصاحبه . تواصل أنينه . فبدا كمن يستقبل سقوط الرذاذ في يوم شديد البرودة .
أما صاحبه الراقد . ها هو يحتضر في رعايته . لم يفتح عيناً . تَبَدَّى مُتَخَلِّيَاً عن كل شيء . ندت عنه ارتعاشة مبهمة .
استقبلها عصفوري برعشة مُمَاثلة . فصرخ مُغَرِّداً في حزنٍ وألَم . ثُمَّ غادر مُحَلِّقاً يَجُولُ البيوت بيتا بيتا . والاشجار
غصنا غصنا . وارتفع عاليا الى دنيا النجوم , مؤملاً ان باب السماء سَيُفتح ذات يوم . وتُرَد ألامانات لإصحابها

فاطمة الحسن
10-21-2008, 04:42 PM
قصة رااااااااااااااااااااااااااائعة
وسرد ماتع يجعلنا نعيش مع القصة
بتفاصيلها

زينب البصري
10-21-2008, 06:00 PM
يالله يالله يا سيدي كيف نقلتني إلى هناك
روحي وصلت لتختلس النظر في دنياهما الغاربة

قصة اقشعر لها بدني
وارتجفت لها اطرافي بخشوع

لك حرف روحاني
يفتح ستائر الغفلة

دُمت نقياً سيدي

اختك
أطياف وردية

محمد السقار
10-21-2008, 06:16 PM
الاديب فوزي بيترو
،،
اسعد الله قلبك وروحك
ما احوجنا الى قراءة حرف
كحرفك ايها الاديب الرائع
وما احوجنا الى ان نجلس هنا
فقط لنستمع الى هذا الفضاء
المفعم بالسحر والعذوبة
ارجو ان يتسع صدر اديبنا
لقلوبنا الغضة التي
يتمكن منها الجمال بسهوله
ويسمح لنا بأن نكون من
قراءه وتلاميذه

الاديب الرائع فوزي
اسمح لي مرة اخرى ان ارحب
بك بين اخوتك واخواتك
في هذا الصرح
الذي لن يكبر الا بمن هم
في مثل قامتك

اهلا وسهلا وانه لشرف
لي ان التقي اديباً
رائعاً نقياً كالاديب
فوزي بيترو
لقلبك الورد والود

فوزي بيترو
10-22-2008, 01:48 PM
أختي فاطمة الحسن
ردِّك هو الرائع
دُمْتِ سالمة
اخوك فوزي

فوزي بيترو
10-22-2008, 01:49 PM
أصدقك القول أختي زينب البصري
لقد طاف الدمع في عيوني وانا أكتب الفقرة الأخيرة
دمتِ مُحِبَّة ونقية
أخوك فوزي

فوزي بيترو
10-22-2008, 01:49 PM
أخي محمد السقار
لقد فزت بهذا المنتدى بأصدقاء أفتخر بهم
ويسعدني ان اتقاسم معهم هم الكتابة ولوعتها .
ودمت عزيزا
اخوك فوزي

فوزي بيترو
10-22-2008, 01:50 PM
أختي حفيظة طعام
ردك وتعقيبك على أرواح جائلة إضافة أعتز بها
كما وأعتز بصداقتك أختي حفيظة
ودمتِ بخير
أخوك فوزي

عواطف عبداللطيف
11-04-2008, 02:07 PM
الاستاذ فوزي

ارواح اتعبها الزمان

تآلفت لتقضي يومها بهدوء

حتى يحين الأجل

فلكل أجل كتاب

قدرتك في السرد تجعلنا منشدين مع حروفك حتى النهاية

دمت بخير

تحياتي وشكري

وعذري لتأخري