المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف تتجلى أسماء الله في الحياة؟


فاطمة الحسن
10-21-2008, 11:44 AM
(وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين* وما خلقت الجن والأنس الا ليعبدون* ما أريد منهم من رزق وما أريد ان يطعمون* ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين* فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون* فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون) [الذاريات/ 55-60].
لكل شيء في الخليقة هدف، فنحن لانجد انى توجهنا بأبصارنا شيئا خلق من دون هدف وغاية حتى وان كان ذرة متناهية في الصغر، فهل من الممكن ان تكون الخليقة بما فيها من بحار وجبال وكواكب ومنظومات قد خلقت عبثا؟
وان أول ما يتبادر إلى الضمير الحي الذي يتوجه إلى الكون، وينظر في السماوات والأرض هو وجود هدف، واستحالة العبث في الخلق كما يقول -تعالى-: (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار).
الهدف من خلق الكائنات:
فما هو الهدف من خلق الكائنات.؟، من المعروف ان الأرض وما حولها من كواكب قد سخرت للإنسان، فهذا الإنسان ما يزال يمتطي صهوة المركبات الفضائية إلى الكواكب الأخرى، فالظاهر انه قد ملك الآن، وخولت إليه السلطة في الأرض وما حولها، فما هو الهدف من خلق الإنسان نفسه؟
هذا السؤال يجيب عنه القرآن الكريم في سورة يبدو انها تذكرنا ببصيرة المسؤولية، الا وهي سورة النجم، ففي هذه السورة آية كريمة لعلها تختصر بصائره هذه السورة وهي الآية التي تقول: (وان ليس للإنسان الا ما سعى* وان سعيه سوف يرى* ثم يجزاه الجزاء الأوفى) [النجم/ 38-40].
واذا ما دققنا في خاتمة سورة الذاريات المباركة نجد الآية الكريمة التي تقول: (وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون)، وفي هذه الآية تطالعنا كلمتان تتعاكسان وتتكاملان وهما كلمة (الخلق) وكلمة (العبادة)، فيبدو ان هذه الآية تبين العلاقة بين الله وبين الإنسان، كما توضح الصلة بين الإنسان وبين الله -تعالى-.
ان علاقة الله بالإنسان -ان صح التعبير- هي علاقة الخلق لأنه هو الذي خلق، اما صلة الإنسان بالله -سبحانه- فينبغي ان تكون صلة العبادة كما تشير إلى ذلك الآية السابقة، وعلى هذا فإن هناك خلقا وهناك عبادة، فالخلق من الله إلى العبد، والعبادة من العبد إلى الله، فما هو معنى الخلق، وما معنى العبادة؟
معنى الخلق
يبدو لي اننا نستطيع ان نعرف عمق معنى كلمة (العبادة) إذا ما أدركنا الأبعاد الواسعة لـ(الخلق)، لأن هذه الكلمة الأخيرة تتواجه وتتعاكس وتتكامل مع الكلمة الأخرى، فما هو معنى كلمة الخلق؟ خصوصا واننا كثيرا ما نقرأ في القرآن (خالق السماوات والأرض) و(خلقناكم) و(خلقكم أطوارا..).
قبل ان أبين هذا المعنى والمفهوم أوجه هنا كلمة مهمة حول القرآن الكريم.
ليس من الانصاف ان نكون مع هذا القرآن، مع هذا البحر، مع هذا النور، وهذه البصائر ثم لا نتدبر في آياته، وفي مفردات كلماته، ولا نطرح على أنفسنا الأسئلة حول معاني آياته.
وعلى العموم فقد كنت قبل فترة أفكر في موضوع ما زلت اتدارسه، وأتباحث فيه الا وهو القيم المثلى في الشريعة الإسلامية، وهو من المواضيع الشائكة، فقد كنت لفترة طويلة أبحث عن آية واحدة تختصر لي قيمة القيم، أو ينبوع القيم الذي تتفرع منه الشرائع الدينية والأحكام المقدسة حتى وجدت ذلك في آية واحدة هي الآية التي نحن بصدد دراستها: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون).
وقد فتح الله -تعالى- لي نافذة على هذه الآية الكريمة، وفي هذه المحاضرة سأحاول ان اختصر بعض ما توصلت إليه بشأن هذه الآية.
الخلق كلمة واحدة تدل على ثلاثة معان أساسية هي:
الإنسان حقيقة قائمة
1- ان الإنسان كما هو حال سائر الكائنات عبارة عن حقائق قائمة لا أوهام كما زعم الفلاسفة القدماء، وكما يزعم بعض الفلاسفة المعاصرين الذين يقولون ان الإنسان هو مجرد وهم، وان ليس في عالم الكون الا الفكر، وان ما نراه ونلمسه، ونتعامل معه ما هو الا وهم.
أما القرآن الكريم فإنه يرفض هذا المنطق ويقول ان هناك مخلوقات، وان هذه المخلوقات قائمة وموجودة، وذات عينية وواقعية.
2- المعنى الثاني لكلمة الخلق ان هذه الكائنات التي هي موجودة قائمة، وحقيقية، حقيقتها قائمة بغيرها لأنها لا تمثل وجودات ذاتية لأنها ان كانت كذلك لم تكن محتاجة إلى الخلق، فلابد - اذن- من كونها وجودات قائمة بالغير، ولذلك فإنها بحاجة إلى الخلق، فكل شيء اعتبارا من العرش فما دونه قائم بالله - سبحانه وتعالى-، وانه لو سلب الأشياء تأييده ونوره، وبالتالي لطفه وفيضه فإنها تتلاشى وتنتهي في الفور.
وعلى هذا فإن هناك حيا قيوما قائما بذاته، ومقيما لغيره، وكل شيء يقوم به.
3- المعنى الثالث الذي هو الأهم في حديثي هذا هو ان كل شيء مخلوق قابل للإنتهاء، وقابل للنمو، والتكاثر، فالله تعالى الذي خلق الإنسان من حفنة تراب، جعل هذه الحفنة خلقا سويا فيها من الآيات والمعاجز الإلهية مالا يحصى، فلو حاولت البشرية -على سبيل المثال- ان تصنع جهازا كمخ الإنسان لكانت بحاجة إلى صناعة جهاز كومبيوتر يستوعب الأرض كلها!
وهكذا فإن الله تعالى خلق من هذه الحفنة الترابية هذا الوجود، وهذا الإنسان السوي الذي كان منه الأنبياء، وملوك الأرض، فالله عزوجل جعل الإنسان خليفته في الأرض، وعندما يحدثنا عن خلقه للإنسان يقول: (فتبارك الله أحسن الخالقين).
وعلى هذا فإن من المعاني الأساسية للخلق قابلية النمو؛ أي ان كل شيء من الممكن ان ينمو ويتطور، وهكذا تتحصل لدينا ثلاثة معان أساسية هي: ان الشيء قائم، وانه قائم بغيره، وانه ممكن الزيادة والنمو، فمادام الإنسان من الممكن ان يتقدم ويتكامل، فلابد ان نسأل الله تعالى الزيادة التي تعني هنا العبادة، ولكن في كلمة العبادة زيادة، فهي تعني فكرة وبصيرة جديدتين تتمثلان في ان الزيادة يجب ان تكون في الإتجاه الصحيح، ذلك لأن بعض الزيادة تمنع المزيد كما يشير إلى ذلك الحديثان الشريفان التاليان: (رب أكلة منعت أكلات) و(رب نعمة خلفت حسرات).
فالزيادة يجب ان تكون في طريقها الصحيح.. فربما يطالب الإنسان بشيء بسيط فتأتي وراءه الحسرات، فهناك بعض النعم، وبعض الزيادات تكون مانعة عن المزيد؛ كأن يزداد الإنسان علما ولكنه لا يزداد مع العلم تواضعا، فمثل هذه الزيادة لا تنفع الإنسان فحسب وانما تضر به لأن الحديث الشريف يقول: (من ازداد علما ولم يزدد تواضعا ما ازداد عن الله الا بعدا).
والمال قد يلهي الإنسان عن ذكر الله، ومثل هذا المال يعد وبالا وحجابا بين الإنسان وبين الله تعالى، وهكذا الحال بالنسبة إلى الرئاسة فقد تكون سببا لعدم نمو الإنسان.
وعلى هذا فإن هناك أنوارا، وهناك زيادة شريطة ان تكون في الطريق الصحيح لكي تكون مصداقا للعبادة، فالعلم الذي لا يحجبك عن الله، ولا يجعلك مستكبرا في الأرض هذا العلم هو الذي ينفعك، وكذلك الحال بالنسبة إلى المال الذي تستخدمه في الخير.
أسماء الله الحسنى وسيلة للتقرب والتكامل
وفي الحقيقة فإن هذه هي أسماء الله الحسنى، فنحن نقرأ في القرآن الكريم في سورة الحشر هذه الآيات المباركات: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون* هو الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم* هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون* هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم).
وبعد فهذه هي أسماء الله تعالى التي هي وسيلة للتقرب اليه، ووسيلة التعبد الحقيقية، فنحن أمرنا ان ندعو الله بأسمائه: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، ونحن حينما نتعمق في هذه الأسماء نجد انها كلها تمثل كمالات ودرجات لنمو الإنسان، وحركته، فمن ضمن هذه الكمالات والدرجات الرحمة، والعلم: (عالم الغيب والشهادة)، فالعلم هو الحبل الموصول بين الإنسان وبين الله -سبحانه- إذا كان علمه وسيلة للتقرب إلى الله، كما يشير إلى ذلك -تعالى- في قوله: (انما يخشى الله من عباده العلماء).
وعلى هذا فإن (العلم) هو الاسم الذي يقربك من الله، فازدد علما تزدد من الله قربا، وقد أكدت الروايات تأكيدا متواصلا وشديدا على أهمية العلماء حتى ارتفعت بهم إلى مصاف الأنبياء (العلماء ورثة الأنبياء) وحتى جعلت مجرد النظر إلى بيت العالم عبادة، وجعلت مجالسهم بمثابة رياض الجنة: (مجلس العلماء رياض الجنة).
وهكذا فإن اسم (العالم) الذي جاء في سورة الحشر يعد أول اسم من أسماء الله تعالى واذا ما حصلت على نور هذا العلم فإنك تكون قد تعبدت، والنقطة الأساسية التي أريد ان أبينها هنا هي ان هذه الأسماء هي الدرجات التي يرتفع الإنسان بها إلى الله تعالى وهذه هي العبادة الحقيقية، فالعبادة ليست مجرد هذه الحركات التي نقوم بها يوميا من سجود وركوع.. وان كانت هي جزء ونوع من أنواع العبادة.
أما الإسم الثاني الذي تذكره الآيات القرآنية السابقة فهو (الرحمن)؛ أي تكون رحيما، تعمر قلبك الرحمة، وهذه الرحمة هي من مصاديق العبادة أيضا، وفي هذا المجال هناك رواية طريفة عن موسى بن عمران (ع)، فقد ناجى ربه يوما فسأله قائلا: رب لماذا اخترتني من بين العباد؟ فقال تعالى له: اخترتك لطول سجودك، ورحمتك.

منقوووووووول

عواطف عبداللطيف
10-22-2008, 06:57 AM
جزاك الله الجنة

زينب البصري
10-22-2008, 07:00 AM
بوركت اناملك على ما انتقت لنا من جواهر

جعلها الله من أثقل حسناتك في الميزان أُخيتي

امل مامكغ
10-22-2008, 08:53 AM
غاليتي واختي فاطمة الحسن
بوركت اناملك على ما نقلت ونسجت لنا هنا
لك الود وما اجمل من أن ننهل من المعرفة الايمانية
والمعاني الغائبة عن العقل البشري احياناً
والاعجاز الظاهر الباطن
تقبلي تقديري واحترامي ،،، امل مامكغ

فاطمة الحسن
10-22-2008, 03:15 PM
مشكورين عالمرور الطيب
دمتم بخير

ابو غسان
02-24-2011, 05:13 AM
جزاك الله خير الجزاء
وجعل هذا العمل في ميزان حسناتك
لروحك الورد وأكثر