عواطف عبداللطيف
09-27-2008, 05:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها الصائمون الكرام..
أسعد الله أيامكم.. وتقبل صيامكم، وقيامكم، وصالح أعمالكم
الحمد لله.. وبعد :
فقد اختص الله تعالى الأمة المحمدية على غيرها من الأمم بخصائص عظيمة، ومزايا كبيرة، بأن أنزل لها الدستور العظيم، والمنهج القويم، وكلام رب العالمين، القران الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أنزله في ليلة مباركة..
هي خير ليالي السنة على الإطلاق، في خير شهور السنة ((شهر رمضان الفضيل)) قال تعالى في سورة الدخان: ((إنا أنزلناهُ في ليلةٍ مباركةٍ إنا كنا مُنذٍرين* فيها يُفرَقُ كلُ أمرٍ حكيم)).. والمقصود بالليلة المباركة هنا ((ليلة القدر)) التي يعدل قيامها ألف شهر مما سواها من الليالي، قال الله تعالى فيها مبيناً فضلها: ((إنا أنزلناهُ في ليلةِ القدر* وما أدراكَ ما ليلةُ القدر* ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر* تَنَزلُ الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلِ أمر* سلامٌ هي حتى مطلع الفجر)).
* ليلة القدر.. وسبب التسمية:
اختلف العلماء في سبب تسمية ((ليلة القدر)) بهذا الاسم، على أقوال:
(1) فقد ذكر بعض العلماء أنها سميت بـ ((ليلة القدر)) اشتقاقاً من ((القدر)) وهو الشرف كما تقول فلان ذو قدر عظيم ، أي ذو شرف.. قال أبو بكر الوراق: سميت ليلة القدر؛ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، وعلي أمة ذات قدر.
(2) وقال بعضهم : إنها سميت بذلك؛ لأنه يقدّر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عز وجل وبيان إتقان صنعه وخلقه.
(3) وأشار بعض العلماء إلى أن سبب تسميتها بذلك؛ لأنَّ للعبادة فيها قدر عظيم لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم -فيما رواه الشيخان-: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)).
* تحديد الليلة وعلاماتها :
ذكر العلماء في أنَّ الحكمة من إخفاء ليلة القدر هو: أن يجدّ طالبها ويجتهد في العبادة طوال ليالي الشهر ليصادفها في أيها كانت، كما قالوا إن الله تعالى أخفى رضاه في الطاعات ليرغب العباد في جميعها، وأخفى غضبه في المعاصي ليتحرز العباد من جميعها، وأخفى الإجابة في الدعوات ليبالغ العباد فيها، وأخفى اسمه الأعظم في سائر أسمائه الحسني ليعظموا جميعها، وأخفى الصلاة الوسطي في جميع الصلوات ليحافظ العباد علي أداء سائر الصلوات في أوقاتها، وأخفى وقت الموت عن سائر المخلوقات ليحذر الجميع وقوعه في وقت غفلتهم، وكذلك أخفى ليلة القدر ليعظم المؤمن جميع ليالي رمضان.
غير أن كثيراً من العلماء ذهبوا إلى تحديد هذه الليلة، مستندين في ذلك على بعض الروايات الصحيحة، فقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال: ((تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)).. أي ليلة 21 أو 23 أو 25 أو 27 أو 29 .
وروى ابن عباس أن عمر -رضي الله عنه - دعا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ليلة القدر، وأجمعوا على أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأن هذه العشر هي التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يختص أيامها ولياليها بمزيد من التعبد لربه تعالى، والتقرب إليه بملازمة الاعتكاف فيها.. قال الإمام القرطبي: الأرجح أنها ليلة سبع وعشرين؛ لحديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليلة القدر، ليلة سبع وعشرين))..
ولحديث زُرِّ بن حُبَيش -رضي الله عنه- قال: قلت لأبيّ بن كعب: إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقم الحول -أي السنة كلها- يصيب ليلة القدر، فقال أبي: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه أراد أن يحثُّ الناس على العبادة طوال العام، ولا يتكلوا، ثم حلف أبيّ على أنها ليلة سبع وعشرين، قال زر بن حبيش: بأي شئ تقول ذلك أبا المنذر، قال بالعلامة التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن شمسها تطلع يومئذ لا شعاع لها -أي لا حرارة مؤذية فيها-.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان متحرياً ليلة القدر فليتحرها ليلة سبع وعشرين)).. قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله : أرجح الأقوال أنها في وتر من العشر الأواخر وأنها تنتقل بينها.
وقد ذكر كثير من العلماء -رحمهم الله جميعاً- أن لليلة القدر علامات مقارنة وعلامات لاحقة، فيها إشارات تدل على تحديد تلك الليلة المباركة -إن شاء الله تعالى- .
فمن العلامات المقارنة ما يأتي :
(1) قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة ، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في البر بعيداً عن الأنوار.
(2) طمأنينة القلب، وانشراح صدر المؤمن، وقد قال العلماء: إن المؤمن يجد راحة وطمأنينة وانشراح صدر في تلك الليلة أكثر من مما يجده في بقية الليالي.
(3) إنَّ الرياح تكون فيها ساكنة أي لا تأتي فيها عواصف أو قواصف، بل يكون الجو مناسباً.. وروى ابن خزيمة بسند صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((ليلة القدر ليلة طلقة لا حارة ولا باردة ، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة)).
(4) إن الإنسان يجد في قيام الليلة الفضيلة لذة أكثر مما في غيرها من الليالي.
أما العلامات اللاحقة، فأهمها : أنَّ الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية ليست كعادتها في بقية الأيام، ويدل لذلك ما رواه الإمام مسلم من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أنها تطلع يومئذ ٍ لا شعاع لها )).. ورد من حديث عبادة بن الصّامت رضي الله عنه مرفوعاً : (( إنّها صافية بلجة كأنّ فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حرّ، ولا يحل لكوكب أن يُرمى به فيها حتّى تصبح، وأنّ من أمارتها أنّ الشّمس صبيحتها تخرج مستويةً ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشّيطان أن يخرج معها يومئذٍ ))..
وورد من قول ابن مسعودٍ رضي الله عنه : (( إنّ الشّمس تطلع كلّ يومٍ بين قرني شيطانٍ إلا صبيحة ليلة القدر )).
* فضائل ليلة القدر :
ليلة القدر فضلها عظيم، وخيرها عميم، كيف لا وقد شهدت نزول القرآن الكريم، الذي يقود من اعتصم به إلى جنات الخلد والنعيم، كفى بقدر ليلة القدر أنها خير من ألف شهر.. ومن فضائلها العديدة ومزاياها العظيمة التي احتوت عليها ما يأتي :
(1) أنها ليلة أنزل الله فيها القرآن، قال تعالى: ((إنا أنزلناه في ليلة القدر)).
(2) أنها ليلة مباركة، قال تعالى: ((إنا أنزلناه في ليلة مباركة)).
(3) أنها يكتب الله تعالى فيها الآجال والأرزاق خلال العام، قال تعالى: ((فيها يفرق كل أمر حكيم)).
(4) أن للعبادة فيها فضل عن غيرها من الليالي، فهي خير من ألف شهر.
(5) أنها تنـزّل الملائكة فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة والمغفرة بإذن ربهم، كما أخبر الله تعالى.
(6) أنها ليلة خالية من الشر والأذى وتكثر فيها الطاعة وأعمال الخير والبر، وتكثر فيها السلامة من العذاب ولا يخلص الشيطان فيها إلى ما كان يخلص في غيرها فهي سلام كلها، قال تعالى: (( سلام هي حتى مطلع الفجر )).. قال مجاهد في معنى الآية: ((سلام أن يحدث فيها داء، أو يستطيع شيطان أن يعمل فيها شيئاً))، وعن الضحاك عن ابن عباس –رضي الله عنه- قال: ((في تلك الليلة تُصفد مردة الجن، وتُغلُّ عفاريت الجن، وتفتح فيها أبواب السماء كلها، ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب)).
(7) أن فيها غفران للذنوب لمن قامها واحتسب في ذلك الأجر عند الله عز وجل، ولذلك يستحب للمسلم الحريص على طاعة الله أن يحييها إيماناً وطمعاً في أجرها العظيم، بالقيام والذكر، والقرآن والدعاء.. ومن فعل ذلك غفر له كل ما مضى من ذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما اتفق عليه الشيخان - : ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه)) ..
وقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : ((كان إذا دخل العشر أحيا اللّيل، وأيقظ أهله، وشدّ المئزر)), والقصد منه إحياء ليلة القدر.. ويستحب فيها الدعاء والإكثار منه، وخاصة بما جاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر؛ ماذا أقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((قولي اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني))، قال ابن علان : بعد ذكر هذا الحديث : فيه إيماء إلى أنّ أهمّ المطالب انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب وطهارته من دنس العيوب , فإنّ بالطّهارة من ذلك يتأهّل للانتظام في سلك حزب اللّه وحزب اللّه هم المفلحون.
وقد كان السلف يخصون ليلة القدر بمزيد اهتمام، فكان ثابت البناني يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب، ويطيب المسجد بالنضوح والدخنة في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر.. وكان لتميم الدارى رضي الله عنه حلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التى ترجى فيها ليلة القدر.. وكما كانوا يستعدون لها بالتزيين الظاهر؛ فإنهم علموا أنه لا يكمل تزيين الظاهر إلا بتزيين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها؛ فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئاً.. فلا يصلح لمناجاة الملوك فى الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه، وطهرهما؛ خصوصاً لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى، فمن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس وباطنه بلباس التقوى..
روي عن مالك بن أنس أنه إذا كانت ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيب، ولبس حلة وإزاراً ورداء، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلا مثلها من قابل [أي السنة المقبلة].. فعلى المسلم إذاً أن يتحرى هذه الليلة، فهي فرصة عمره وحياته، ومعلوم من السنة أن معرفتها رفعت؛ لأن الناس تخاصموا: روى البخاري عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم بليلة القدر، فتلآحى رجلان من المسلمين [أي: تخاصما]، فقال: (( إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة )).
سائلين الله تعالى أن ينعم على عباده بالرحمة والرضوان والعتق والغفران..
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب
* هيئة نت
أيها الصائمون الكرام..
أسعد الله أيامكم.. وتقبل صيامكم، وقيامكم، وصالح أعمالكم
الحمد لله.. وبعد :
فقد اختص الله تعالى الأمة المحمدية على غيرها من الأمم بخصائص عظيمة، ومزايا كبيرة، بأن أنزل لها الدستور العظيم، والمنهج القويم، وكلام رب العالمين، القران الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أنزله في ليلة مباركة..
هي خير ليالي السنة على الإطلاق، في خير شهور السنة ((شهر رمضان الفضيل)) قال تعالى في سورة الدخان: ((إنا أنزلناهُ في ليلةٍ مباركةٍ إنا كنا مُنذٍرين* فيها يُفرَقُ كلُ أمرٍ حكيم)).. والمقصود بالليلة المباركة هنا ((ليلة القدر)) التي يعدل قيامها ألف شهر مما سواها من الليالي، قال الله تعالى فيها مبيناً فضلها: ((إنا أنزلناهُ في ليلةِ القدر* وما أدراكَ ما ليلةُ القدر* ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر* تَنَزلُ الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلِ أمر* سلامٌ هي حتى مطلع الفجر)).
* ليلة القدر.. وسبب التسمية:
اختلف العلماء في سبب تسمية ((ليلة القدر)) بهذا الاسم، على أقوال:
(1) فقد ذكر بعض العلماء أنها سميت بـ ((ليلة القدر)) اشتقاقاً من ((القدر)) وهو الشرف كما تقول فلان ذو قدر عظيم ، أي ذو شرف.. قال أبو بكر الوراق: سميت ليلة القدر؛ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، على لسان ملك ذي قدر، على رسول ذي قدر، وعلي أمة ذات قدر.
(2) وقال بعضهم : إنها سميت بذلك؛ لأنه يقدّر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عز وجل وبيان إتقان صنعه وخلقه.
(3) وأشار بعض العلماء إلى أن سبب تسميتها بذلك؛ لأنَّ للعبادة فيها قدر عظيم لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم -فيما رواه الشيخان-: ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)).
* تحديد الليلة وعلاماتها :
ذكر العلماء في أنَّ الحكمة من إخفاء ليلة القدر هو: أن يجدّ طالبها ويجتهد في العبادة طوال ليالي الشهر ليصادفها في أيها كانت، كما قالوا إن الله تعالى أخفى رضاه في الطاعات ليرغب العباد في جميعها، وأخفى غضبه في المعاصي ليتحرز العباد من جميعها، وأخفى الإجابة في الدعوات ليبالغ العباد فيها، وأخفى اسمه الأعظم في سائر أسمائه الحسني ليعظموا جميعها، وأخفى الصلاة الوسطي في جميع الصلوات ليحافظ العباد علي أداء سائر الصلوات في أوقاتها، وأخفى وقت الموت عن سائر المخلوقات ليحذر الجميع وقوعه في وقت غفلتهم، وكذلك أخفى ليلة القدر ليعظم المؤمن جميع ليالي رمضان.
غير أن كثيراً من العلماء ذهبوا إلى تحديد هذه الليلة، مستندين في ذلك على بعض الروايات الصحيحة، فقد روى الإمام البخاري عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال: ((تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان)).. أي ليلة 21 أو 23 أو 25 أو 27 أو 29 .
وروى ابن عباس أن عمر -رضي الله عنه - دعا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن ليلة القدر، وأجمعوا على أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأن هذه العشر هي التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يختص أيامها ولياليها بمزيد من التعبد لربه تعالى، والتقرب إليه بملازمة الاعتكاف فيها.. قال الإمام القرطبي: الأرجح أنها ليلة سبع وعشرين؛ لحديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليلة القدر، ليلة سبع وعشرين))..
ولحديث زُرِّ بن حُبَيش -رضي الله عنه- قال: قلت لأبيّ بن كعب: إن أخاك عبد الله بن مسعود يقول: من يقم الحول -أي السنة كلها- يصيب ليلة القدر، فقال أبي: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لقد علم أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه أراد أن يحثُّ الناس على العبادة طوال العام، ولا يتكلوا، ثم حلف أبيّ على أنها ليلة سبع وعشرين، قال زر بن حبيش: بأي شئ تقول ذلك أبا المنذر، قال بالعلامة التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن شمسها تطلع يومئذ لا شعاع لها -أي لا حرارة مؤذية فيها-.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان متحرياً ليلة القدر فليتحرها ليلة سبع وعشرين)).. قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله : أرجح الأقوال أنها في وتر من العشر الأواخر وأنها تنتقل بينها.
وقد ذكر كثير من العلماء -رحمهم الله جميعاً- أن لليلة القدر علامات مقارنة وعلامات لاحقة، فيها إشارات تدل على تحديد تلك الليلة المباركة -إن شاء الله تعالى- .
فمن العلامات المقارنة ما يأتي :
(1) قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة ، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في البر بعيداً عن الأنوار.
(2) طمأنينة القلب، وانشراح صدر المؤمن، وقد قال العلماء: إن المؤمن يجد راحة وطمأنينة وانشراح صدر في تلك الليلة أكثر من مما يجده في بقية الليالي.
(3) إنَّ الرياح تكون فيها ساكنة أي لا تأتي فيها عواصف أو قواصف، بل يكون الجو مناسباً.. وروى ابن خزيمة بسند صحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((ليلة القدر ليلة طلقة لا حارة ولا باردة ، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة)).
(4) إن الإنسان يجد في قيام الليلة الفضيلة لذة أكثر مما في غيرها من الليالي.
أما العلامات اللاحقة، فأهمها : أنَّ الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية ليست كعادتها في بقية الأيام، ويدل لذلك ما رواه الإمام مسلم من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أنها تطلع يومئذ ٍ لا شعاع لها )).. ورد من حديث عبادة بن الصّامت رضي الله عنه مرفوعاً : (( إنّها صافية بلجة كأنّ فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حرّ، ولا يحل لكوكب أن يُرمى به فيها حتّى تصبح، وأنّ من أمارتها أنّ الشّمس صبيحتها تخرج مستويةً ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشّيطان أن يخرج معها يومئذٍ ))..
وورد من قول ابن مسعودٍ رضي الله عنه : (( إنّ الشّمس تطلع كلّ يومٍ بين قرني شيطانٍ إلا صبيحة ليلة القدر )).
* فضائل ليلة القدر :
ليلة القدر فضلها عظيم، وخيرها عميم، كيف لا وقد شهدت نزول القرآن الكريم، الذي يقود من اعتصم به إلى جنات الخلد والنعيم، كفى بقدر ليلة القدر أنها خير من ألف شهر.. ومن فضائلها العديدة ومزاياها العظيمة التي احتوت عليها ما يأتي :
(1) أنها ليلة أنزل الله فيها القرآن، قال تعالى: ((إنا أنزلناه في ليلة القدر)).
(2) أنها ليلة مباركة، قال تعالى: ((إنا أنزلناه في ليلة مباركة)).
(3) أنها يكتب الله تعالى فيها الآجال والأرزاق خلال العام، قال تعالى: ((فيها يفرق كل أمر حكيم)).
(4) أن للعبادة فيها فضل عن غيرها من الليالي، فهي خير من ألف شهر.
(5) أنها تنـزّل الملائكة فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة والمغفرة بإذن ربهم، كما أخبر الله تعالى.
(6) أنها ليلة خالية من الشر والأذى وتكثر فيها الطاعة وأعمال الخير والبر، وتكثر فيها السلامة من العذاب ولا يخلص الشيطان فيها إلى ما كان يخلص في غيرها فهي سلام كلها، قال تعالى: (( سلام هي حتى مطلع الفجر )).. قال مجاهد في معنى الآية: ((سلام أن يحدث فيها داء، أو يستطيع شيطان أن يعمل فيها شيئاً))، وعن الضحاك عن ابن عباس –رضي الله عنه- قال: ((في تلك الليلة تُصفد مردة الجن، وتُغلُّ عفاريت الجن، وتفتح فيها أبواب السماء كلها، ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب)).
(7) أن فيها غفران للذنوب لمن قامها واحتسب في ذلك الأجر عند الله عز وجل، ولذلك يستحب للمسلم الحريص على طاعة الله أن يحييها إيماناً وطمعاً في أجرها العظيم، بالقيام والذكر، والقرآن والدعاء.. ومن فعل ذلك غفر له كل ما مضى من ذنوب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما اتفق عليه الشيخان - : ((من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه)) ..
وقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم : ((كان إذا دخل العشر أحيا اللّيل، وأيقظ أهله، وشدّ المئزر)), والقصد منه إحياء ليلة القدر.. ويستحب فيها الدعاء والإكثار منه، وخاصة بما جاء عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر؛ ماذا أقول؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((قولي اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعف عني))، قال ابن علان : بعد ذكر هذا الحديث : فيه إيماء إلى أنّ أهمّ المطالب انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب وطهارته من دنس العيوب , فإنّ بالطّهارة من ذلك يتأهّل للانتظام في سلك حزب اللّه وحزب اللّه هم المفلحون.
وقد كان السلف يخصون ليلة القدر بمزيد اهتمام، فكان ثابت البناني يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب، ويطيب المسجد بالنضوح والدخنة في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر.. وكان لتميم الدارى رضي الله عنه حلة اشتراها بألف درهم، وكان يلبسها في الليلة التى ترجى فيها ليلة القدر.. وكما كانوا يستعدون لها بالتزيين الظاهر؛ فإنهم علموا أنه لا يكمل تزيين الظاهر إلا بتزيين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها؛ فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئاً.. فلا يصلح لمناجاة الملوك فى الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه، وطهرهما؛ خصوصاً لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى، فمن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس وباطنه بلباس التقوى..
روي عن مالك بن أنس أنه إذا كانت ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيب، ولبس حلة وإزاراً ورداء، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلا مثلها من قابل [أي السنة المقبلة].. فعلى المسلم إذاً أن يتحرى هذه الليلة، فهي فرصة عمره وحياته، ومعلوم من السنة أن معرفتها رفعت؛ لأن الناس تخاصموا: روى البخاري عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم بليلة القدر، فتلآحى رجلان من المسلمين [أي: تخاصما]، فقال: (( إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة )).
سائلين الله تعالى أن ينعم على عباده بالرحمة والرضوان والعتق والغفران..
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب
* هيئة نت