فوزي بيترو
04-20-2009, 06:41 PM
دردشات
تربع والدي على الكنبة في هدوء متوثب . تابعته بعيني وهو يشير لي بالجلوس الى جانبه .
ابتسم في حبور وهو يربت على ظهر كفي قائلا بحنان :
ــ هل تفكر بالجواز والإستقرار يا عصام ؟
ــ كما تعلم يا ابي , انا اعمل خارج البلاد منذ ثلاث سنوات . وعملي لا يتيح لي التعرف على فَتَيَات
كما ان بُعدي عن البلد , جَعَلَني غريبا آتي , وغريبا أغادر . والزمن الذي من المفروض ان أصْرِفُه
للتَّعَرُّف على بَنات , قصير ولا يتعدى بضعة ايام او اسابيع . انا في حيرة , وأروم الجواز .
لكن , ليس بالطرق التقليدية . يجب ان أتفق ذهنا وشكلا وروحا مع من ستكون شريكة حياتي .
ــ بنات اخوالك , وبنت العم . على وش جواز . ويتمنون .
أجبته بتودد حذر :
ــ لا أحبذ جواز الأقارب .
تنهد . تجلت في عينيه نظرة عتاب , وقال :
ــ ستكتشف عاجلا او آجلا صواب حدسي .
كنت وجلا من مفاتحة ابي بموضوع الجواز , بسب يقيني انه يروم ما لا أوافقه عليه .
وها هو الان يفتح امامي الطريق , ويمهده . لم لا أصارحه بموضوع سوزان . الفتاة التي تعَرَّفت
عليها من خلال الإنترنت ؟
ــ قديش عمرها ؟
ــ اصغر مني بسنتين او بثلاث سنوات .
ــ من دار مين ؟
ــ العسلوات
اغمض والدي عينيه نصف تغميضة وكأنه يستذكر شيئا . ثم قال :
ــ هظول نصارى يا ولد . كيف تجرؤ ...
وقبل ان يكمل محاضرته قلت له :
ــ عسلويات هم النصارى . اما العسلوات فمسلمين .
حين ادرك والدي انه قد أخطأ . سألني عابساً :
ــ وكيف تعرفت عليها ؟
لم أشأ قَوْل الحقيقة . ويكفيني حرف الياء الذي كاد ان يُطيح بآمالي .
ــ من الجامعة . كنت سابقها بسنتين .
ــ ووالدتها , من دار مين ؟
ــ لا أعرف . لم أسألها . فأنا ....
توقفت فجأة عن الكلام . كدت ان اعترف بأني لم أقابلها بعد . وأن علاقتنا ما هي سوى دردشات
من خلال الإنترنت .
ما أغباك يا عصام , ها قد حضرت للبلد منذ ثلاث ايام ولم تستطع مقابلة الفتاة التي مال لها قلبك
قالت لي ان والدها من النوع المحافظ , والشديد . ولا يسمح لها بمقابلة اي شاب , ولا حتى على
سبيل التعارف وللزواج مستقبلا . كما قالت ايضا ان والدها عصبي وجميع افراد العائلة يهابونه .
ويوما , قالت لي انه كاد قتل ابنة اخيه لأنه رآها مع زميل لها في الشارع .
لذلك , رجتني سوزان في ان يذهب والدي للتعرف عليهم . كي يُؤذن لنا بمقابلة بعضنا البعض .
كنت ابتسم وانا ارنو الى وجه ابي الغاضب. بينما افكاري تتزاحم مندفعة نحو النور المنبعث من عينيه .
حتى خِلتُهُ وكأنه يُنصِت لي بنهم وتَحَفُّزْ .
فَإذْ بي أصحو على صوته صارخا بي :
ــ ليش وقفت عن الكلام . أكمل
حين ترددت . عاد لسؤالي ثانية :
ــ وما هو عمل ابوها ؟
ــ متقاعد من الجيش . ويعمل الان حارس شخصي لأحد رجال الأعمال
بدا كمن رُشِقَ بماء بارد . ثم قال هامسا :
ــ يعني بلطجي . لا تنسى انك مهندس ...
وقبل ان يكمل قلت له هامسا ايضا :
ــ وهي مهندسة
ــ عمك مدير شركة . وخالك طبيب مرموق . وعمتك برفيسورة وعميدة كلية ...
قاطعت سرده قائلا :
ــ وابن اختي ميكانيكي . وابن خالتي عامل بناء . واثنين من اولاد عمومتي ارباب سوابق ودخلا
السجن . الأول نصاب , والثاني حرامي ...
بدا حديثي ككرة ثلج تتدحرج وتكبر . حتى قلت له متحديا ومحذرا :
ــ انظر الى ابن جارنا خليل . حين أرغم على الزواج من فتاة غير فتاته التي كان يحبها . ماذا حصل
به . حتى مستشفى المجانين رفض استقباله . وها هو بالشوارع دائم السكر كالمتشردين .
يبدو اني قد قسوت على والدي . ولكني , لم اندم . فما هي قيمة العلم والتعلم . وقيمة الإنسان
واحترام الظرف الذي يقود احدنا مرغما في بعض الاحيان . وما قيمة التَدَيّن والصلاة وتعاليم الديانات
السمحة اذا لم نمارسها حقيقة . هل علينا المجاهرة بشيء , ونفعل عكسه ؟
حين أفاق والدي من الصدمة . قام كأنما ضاق بمجلسه . وقف وراء النافذة دقيقة . رجع الى وسط
الحجرة وطلب مني عنوان الرجل وكنيته .
ــ ابو سامر . ويقيمون في حي الونانات .
كان يوم عيد الأضحى المبارك , عندما انطلقنا الى منزل ابو سامر .
ــ السلام عليكم يا ابو سامر . وكل عام وانتم بخير .
رد عليه الرجل بفتور قائلا :
ــ وعليكم السلام . اهلا وسهلا .
كنت جالسا بجانب والدي . كان قد طلب مني عدم التفوه بأي كلمة , إلاّ حين يأذن لي .
ــ ابني عصام كان قد شاهد ابنتكم سوزان في الجامعة التي يدرسان فيها سويا , ومال قلبه لها . وها
نحن هنا ندخل البيوت من ابوابها كي نتعرف على هذه العائلة الكريمة وتتعرفوا علينا . فإذا تم الإتفاق
والوفاق بين ابنتكم سوزان وابننا عصام , يكون لنا الشرف بالتقدم لمصاهرتكم وبجاهة رسمية تليق
بمقامكم , طبعا بعد موافقتكم .
كان ابو سامر جالسا بمقعد مقابلي . لم تنم ملامح وجهه عن اي ردة فعل , ايجابية كانت او سلبية .
بل حافظ على رسم التكشيرة كما كانت حين دخلنا البيت الى حين انهى والدي كلامه .
اخذ يبحث بجيوبه عن شيء ما . فانحسرت جاكيتته عن مسدس مدفوس بخاصرته خلف حزام بنطاله .
اخرج علبة سجائره واخذ منها سيجارة , أشعلها وهو يقول موجها كلامه لي بامتعاض :
ــ في اي جامعة حضرتك ؟
لم يمهلني والدي كي ارد عليه . فأجاب قائلا :
ــ جامعة العلوم والتكنولوجيا في اربد
نهض ابو سامر واقفا بعصبية وغضب وقال :
ــ سوزان في جامعة مؤتة .
ثم اضاف قائلا ووجهه ناحية الباب :
ــ شرفتونا . مع السلامة .
نَضَبَ الفرح من صفحة وجهي . غادرنا انا وابي منزل الرجل مَطْرودَيْن . وصلنا السيارة , وقبل ان
نقذف نفسينا داخلها . دوى صوت رصاصة من داخل منزل ابو سامر مترافقا مع هدير الرعد وسقوط
المطر الغزير . بذات الوقت , تَحَوَّلَتْ عيني تلقائيا نحو الخاروف الذي بدا مُسْتَسْلِماً لسكين الذبح بين
يدي احد جيران ابو سامر . خطف بصري شيء يلمع فرأيت الدماء تختلط بمياه المطر وتنساب في
الشارع كجدول ذو خرير عذب نحو الحقول المحاذية .
تربع والدي على الكنبة في هدوء متوثب . تابعته بعيني وهو يشير لي بالجلوس الى جانبه .
ابتسم في حبور وهو يربت على ظهر كفي قائلا بحنان :
ــ هل تفكر بالجواز والإستقرار يا عصام ؟
ــ كما تعلم يا ابي , انا اعمل خارج البلاد منذ ثلاث سنوات . وعملي لا يتيح لي التعرف على فَتَيَات
كما ان بُعدي عن البلد , جَعَلَني غريبا آتي , وغريبا أغادر . والزمن الذي من المفروض ان أصْرِفُه
للتَّعَرُّف على بَنات , قصير ولا يتعدى بضعة ايام او اسابيع . انا في حيرة , وأروم الجواز .
لكن , ليس بالطرق التقليدية . يجب ان أتفق ذهنا وشكلا وروحا مع من ستكون شريكة حياتي .
ــ بنات اخوالك , وبنت العم . على وش جواز . ويتمنون .
أجبته بتودد حذر :
ــ لا أحبذ جواز الأقارب .
تنهد . تجلت في عينيه نظرة عتاب , وقال :
ــ ستكتشف عاجلا او آجلا صواب حدسي .
كنت وجلا من مفاتحة ابي بموضوع الجواز , بسب يقيني انه يروم ما لا أوافقه عليه .
وها هو الان يفتح امامي الطريق , ويمهده . لم لا أصارحه بموضوع سوزان . الفتاة التي تعَرَّفت
عليها من خلال الإنترنت ؟
ــ قديش عمرها ؟
ــ اصغر مني بسنتين او بثلاث سنوات .
ــ من دار مين ؟
ــ العسلوات
اغمض والدي عينيه نصف تغميضة وكأنه يستذكر شيئا . ثم قال :
ــ هظول نصارى يا ولد . كيف تجرؤ ...
وقبل ان يكمل محاضرته قلت له :
ــ عسلويات هم النصارى . اما العسلوات فمسلمين .
حين ادرك والدي انه قد أخطأ . سألني عابساً :
ــ وكيف تعرفت عليها ؟
لم أشأ قَوْل الحقيقة . ويكفيني حرف الياء الذي كاد ان يُطيح بآمالي .
ــ من الجامعة . كنت سابقها بسنتين .
ــ ووالدتها , من دار مين ؟
ــ لا أعرف . لم أسألها . فأنا ....
توقفت فجأة عن الكلام . كدت ان اعترف بأني لم أقابلها بعد . وأن علاقتنا ما هي سوى دردشات
من خلال الإنترنت .
ما أغباك يا عصام , ها قد حضرت للبلد منذ ثلاث ايام ولم تستطع مقابلة الفتاة التي مال لها قلبك
قالت لي ان والدها من النوع المحافظ , والشديد . ولا يسمح لها بمقابلة اي شاب , ولا حتى على
سبيل التعارف وللزواج مستقبلا . كما قالت ايضا ان والدها عصبي وجميع افراد العائلة يهابونه .
ويوما , قالت لي انه كاد قتل ابنة اخيه لأنه رآها مع زميل لها في الشارع .
لذلك , رجتني سوزان في ان يذهب والدي للتعرف عليهم . كي يُؤذن لنا بمقابلة بعضنا البعض .
كنت ابتسم وانا ارنو الى وجه ابي الغاضب. بينما افكاري تتزاحم مندفعة نحو النور المنبعث من عينيه .
حتى خِلتُهُ وكأنه يُنصِت لي بنهم وتَحَفُّزْ .
فَإذْ بي أصحو على صوته صارخا بي :
ــ ليش وقفت عن الكلام . أكمل
حين ترددت . عاد لسؤالي ثانية :
ــ وما هو عمل ابوها ؟
ــ متقاعد من الجيش . ويعمل الان حارس شخصي لأحد رجال الأعمال
بدا كمن رُشِقَ بماء بارد . ثم قال هامسا :
ــ يعني بلطجي . لا تنسى انك مهندس ...
وقبل ان يكمل قلت له هامسا ايضا :
ــ وهي مهندسة
ــ عمك مدير شركة . وخالك طبيب مرموق . وعمتك برفيسورة وعميدة كلية ...
قاطعت سرده قائلا :
ــ وابن اختي ميكانيكي . وابن خالتي عامل بناء . واثنين من اولاد عمومتي ارباب سوابق ودخلا
السجن . الأول نصاب , والثاني حرامي ...
بدا حديثي ككرة ثلج تتدحرج وتكبر . حتى قلت له متحديا ومحذرا :
ــ انظر الى ابن جارنا خليل . حين أرغم على الزواج من فتاة غير فتاته التي كان يحبها . ماذا حصل
به . حتى مستشفى المجانين رفض استقباله . وها هو بالشوارع دائم السكر كالمتشردين .
يبدو اني قد قسوت على والدي . ولكني , لم اندم . فما هي قيمة العلم والتعلم . وقيمة الإنسان
واحترام الظرف الذي يقود احدنا مرغما في بعض الاحيان . وما قيمة التَدَيّن والصلاة وتعاليم الديانات
السمحة اذا لم نمارسها حقيقة . هل علينا المجاهرة بشيء , ونفعل عكسه ؟
حين أفاق والدي من الصدمة . قام كأنما ضاق بمجلسه . وقف وراء النافذة دقيقة . رجع الى وسط
الحجرة وطلب مني عنوان الرجل وكنيته .
ــ ابو سامر . ويقيمون في حي الونانات .
كان يوم عيد الأضحى المبارك , عندما انطلقنا الى منزل ابو سامر .
ــ السلام عليكم يا ابو سامر . وكل عام وانتم بخير .
رد عليه الرجل بفتور قائلا :
ــ وعليكم السلام . اهلا وسهلا .
كنت جالسا بجانب والدي . كان قد طلب مني عدم التفوه بأي كلمة , إلاّ حين يأذن لي .
ــ ابني عصام كان قد شاهد ابنتكم سوزان في الجامعة التي يدرسان فيها سويا , ومال قلبه لها . وها
نحن هنا ندخل البيوت من ابوابها كي نتعرف على هذه العائلة الكريمة وتتعرفوا علينا . فإذا تم الإتفاق
والوفاق بين ابنتكم سوزان وابننا عصام , يكون لنا الشرف بالتقدم لمصاهرتكم وبجاهة رسمية تليق
بمقامكم , طبعا بعد موافقتكم .
كان ابو سامر جالسا بمقعد مقابلي . لم تنم ملامح وجهه عن اي ردة فعل , ايجابية كانت او سلبية .
بل حافظ على رسم التكشيرة كما كانت حين دخلنا البيت الى حين انهى والدي كلامه .
اخذ يبحث بجيوبه عن شيء ما . فانحسرت جاكيتته عن مسدس مدفوس بخاصرته خلف حزام بنطاله .
اخرج علبة سجائره واخذ منها سيجارة , أشعلها وهو يقول موجها كلامه لي بامتعاض :
ــ في اي جامعة حضرتك ؟
لم يمهلني والدي كي ارد عليه . فأجاب قائلا :
ــ جامعة العلوم والتكنولوجيا في اربد
نهض ابو سامر واقفا بعصبية وغضب وقال :
ــ سوزان في جامعة مؤتة .
ثم اضاف قائلا ووجهه ناحية الباب :
ــ شرفتونا . مع السلامة .
نَضَبَ الفرح من صفحة وجهي . غادرنا انا وابي منزل الرجل مَطْرودَيْن . وصلنا السيارة , وقبل ان
نقذف نفسينا داخلها . دوى صوت رصاصة من داخل منزل ابو سامر مترافقا مع هدير الرعد وسقوط
المطر الغزير . بذات الوقت , تَحَوَّلَتْ عيني تلقائيا نحو الخاروف الذي بدا مُسْتَسْلِماً لسكين الذبح بين
يدي احد جيران ابو سامر . خطف بصري شيء يلمع فرأيت الدماء تختلط بمياه المطر وتنساب في
الشارع كجدول ذو خرير عذب نحو الحقول المحاذية .