المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طاقية الإخفاء


فوزي بيترو
04-01-2009, 01:18 PM
طاقية الإخفاء

إستيقظتُ ذات صباح فوجدتني أستذكرُ تفاصيل حلم تمادى في
اذكاء خيالي , حتى توهمته حقيقة .
من عادتي قبل النوم , ان اضع قليلا من فواكه الموسم فوق
المنضضة الصغيرة التي بجانب سريري , فالتهم بعضها اذا جفَّ
حلقي وشعرت بالعطش خلال نومي .

بهذه الليلة , وأنا ما بين الصحوة والنوم . مضت يدي تتلمَّس فص
البرتقال الذي فوق المنضضة , فإذا بها تلامس يداً بشريّة . تملَّكني
الفزع , فتحتُ عيناي فذُهلت , رأيتُ أمامي رجلاً ذو سحنة
مألوفة , ربما أكون صادفتهُ يوماً ما بمكانٍ ما .
بوغت بي أصحو, ربت بكفه قمة رأسي ثم قال هامسا :
ــ إهدأ ولا تخف , أنا لستُ لص .
انكتمت انفاسي وإنعقد لساني من هول المفاجئة ثم هززت رأسي
ممتثلا دون ان انبس .
رفع يده عن رأسي ثم مال نحوي وهو لم يزل يهمس قائلا :
ــ جئتُكَ بشيء , ربما إقتنائك له أحقْ من إحتفاظي به .
التصقتُ بفراشي فاغرا فاهي , انصت .
ــ إنها طاقية الأخفاء , وضعتها تحت وسادتك . إستغل سحرها بما
شئت .

إستيقظتُ مع آذان الفجر مُثقلاً بهواجسٍ تكاد ان تتجسَّدَ امامي .
لولا يقيني , أن حوادث امسية الأماسي تلك ما هي سوى حلم ,
لمَدَدتُ يدي نحو الوسادة .
إلاّ أني وبفضول مَنْ غابت عنه براءته , أطلقتُ اصابع يدي , لتجولُ
وتجول حتى لمَسَتْ فريستها , فانقضَضتُ عليها إنقضاضةً لا فكاك
منها .
خارت قواي حتى بِتُّ لا أقوى على الوقوف. فجلست فوق حافة
السرير وبيدي الطاقية .
شكلها غريب , مُطرزة بأشكالٍ هندسية ليست كالرسوم
الفرعونية أو البيزنطية أو الأسلامية ربما تعود لأبن بطوطة أو
للسندباد أو ربما جاء بها ماركوبولو من أقصى البلاد .

وقفتُ أمام المرآة . وبفضولٍ عفوي , وضعت الطاقية فوق رأسي.
يا للهول , إن ما جرى بالأمس كان حقيقة ولم يكُنْ حلم .
مَنّ نفحني هذه الهدية , لم يحدد لي شروطا تُقيِّد سريان مفعولها
بل قال لي , استغل سحرها بما شئت .
على أى حال أنا لن أستغِلّ سحرها قط فيما يضُر , ولا أروم
لنفسي شيئاً , فقد منحني المولى كل ما اتمنى من رغد عيش
وراحة بال .
حسناً , سوف أنَظَّمْ أموري بناءاً على ما جَدَّ في حياتي .

ومَضَ البرقُ فأضاء الممر المؤدي الى غرفة الحمام . قذفتُ بنفسي
فوق مقعد التواليت ثم حلقت ذقني وفرشت اسناني . وقبل دوى
الرعد كنت بغرفتي أتدثَّرُ بملابس تلائم هذا الجو العاصف .
تحسست الطاقية مرّة اخرى , وضعتها فوق رأسي , وحَدَّقتُ في
المرآة لأتأكد .
ــ كل شيء تمام .
أغلقتُ باب المنزل وهرولتُ متجها نحو درجات السلم المؤدي
للطابق الأول .
كدتُ إلقاء تحية الصباح على جاري وهو خارج من بيته , لكني
تنبُّهتُ أني غير مرئي فسرتُ خلفه حتى خرج من باب العمارة .

الساعة تقترب من الثامنة صباحاً , سوف اذهب الى العمل كي أنجز
بعض المعاملات المهمة والمستعجلة ثم أطلب إجازة لمدة أسبوع .
عند إقترابي من مبنى الدائرة اللتي أعمل بها قمت بخلع الطاقية
عن رأسي ودخلت غرفتي , مارَّاً بسكرتيرة المدير .
منذ مدة بدأ الشك يُساورني بشأن الغموض الذي يكتنف تصَرُّف
السكرتيرة . وبالتحديد عندما تَهِمّ لمقابلة المدير في أي امر ما .
أراها في اغلب الأحيان ,لا بل دائما تدخل غرفة المصعد وتغيب
لدقائق قبل ان تلبي طلبه ثم تدخل غرفته . الى اين تذهب ؟ وماذا
تفعل , لا ادري . اليوم سأرافقها متخفياً وأكشف هذا السر .

رنَّ جرس الهاتف فوق مكتبها , فأجابت بإرتباك جلي :
ــ نعم , حاضر , سأحضر الملف حالاً .
وكما توقعتُ , فقد اتَّجَهَتْ السكرتيرة نحو المصعد كعادتها .
وبسرعة البرق . وضعتُ الطاقية فوق رأسي وتسللت خلفها .
رأيتُها أمام المرآة اللتي بالمصعد تُرتب هندامها وتُخفي بمديلها رتقاً
في ثوبها .
أشفقتُ عليها ولُمْتُ نفسي . البنت بريئة , وما قُمتُ بفِعله
أخجلني .
إنهُ تصَرُّف طبيعي من ناحيتها كي تحتفظ بوظيفتها , فهي تعلم
وكلّنا يعي ان هذا المدير قد فصلَ السكرتيرة السابقة بسبب
إهمالها لمظهرها . فكيف وإن رأى هذا الفتق بفستان سكرِتيرته ؟
سوف يطلب عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن وينفذ العقوبات عليها
بموجب البند السابع من القانون .
لقد اخطأتُ , وما اكثر أخطائي وهفواتي .
اكاد اجزم انها لا تملك النقود اللازمة لشراء ملابس جديدة .
سأعوضها عن ظني الخبيث بها , وأدس بشنطتها مبلغاً من المال
يعينها بتدبير أمورها .
لكني لا أملك من المال سوى القليل وربما لا يكفيني حتى موعد
صرف الراتب .
سوف اقترض مبلغا من خزنة الكاتب وأعيده عند القبضة .

فتحتُ شنطتها ودسَسَتُ المبلغ المُقترض كما هو . ثم عدت
لمكتبي بعد أن خلعت الطاقية .
حين أزف موعد إنصراف الموظفين لإستراحة الغذاء , تفرقوا ولم
يبقى في المكاتب سوى السكرتيرة .
عدتُ معتمراً الطاقية لأراقب ردة فعلها حين تكتشف وجود النقود
في شنطتها .
بعد ان انهت ترتيب الملفات والاوراق فوق مكتبها . رأيتها تحمل
شنطتها وتتجه نحو غرفة عامل كافتيريا الدائرة . سرت خلفها بحذر .
وضَعَتْ إبريق الشاي فوق البوتوغاز وأشعلتهُ . فتحتْ شنطتها
وأخرجتْ منها شطيرة , ثم أعادتْ دس يدها بالشنطة وقد استأثرَ
بها اكتشاف رزمة النقود .

يبدو ان القدر قد جاد عليها ببعض من غيثه , فبدت كالعاجزة عن
تطويع رغباتها الى ان أدركها غليان الماء بأبريق الشاي وكأنه ينخس
جنبيها . أطفأت شعلة البوتوغاز وهرعَتْ نحو مكتبها , وضعت رزمة
النقود في مظروف وكتبت عليه من فاعل خير , ثم هرولتْ نحو غرفة
المُحاسب , ودفستْ المظروف بإحدى جيوب جاكتته .
هي تعلم , كما نعلم نحن ان المحاسب يمر بظروف مالية قاهرة ,
وربما تكون أصعب من ظروفها . إذ لا يمر شهر إلاّ ويستدين فوق
راتبه راتباً آخر . استأسرني خلقُها , فتمتمتُ في حيرة :
ــ ما أرْوَعِكْ أيَّتُها السكرتيرة , تفكرين بغيرك قبل نفسك .

عاد الموظفون بعد إستراحة الغذاء كلٌ الى مكتبه . وكان المحاسب
آخرهم , دخل وبفمه سيجارة غير مشتعلة . أخذ يبحت بغرفته عن
ولاّعة , لم يجد , قادته قدماه نحو جاكتته نقَّبَْ بجيوبها , فوجد
المظروف . وضعه فوق المكتب وأشعل سيجارتهُ ثم أخذ المظروف
بيده فتحهُ فوجد به نقود . وإذا بصوت المديرعلى بعد خطوات منه.
وبحركة غير إرادية وكعادته فتح الخزنة ووضع النقود بداخلها .

دخل المدير ومن برفقته غرفة المحاسب قائلاً لهم وهو يشير بيده
نخو الخزنة :
ــ هذه غرفة المحاسب وتلك خزنتهُ , بعد قيامكم بجردها تفضلُّوا
عندي لنشرب القهوة .
تقدم الذي يعتمر كوفية من المحاسب قائلاً له بلهجة آمرة :
ــ أنا وزميلي من وزارة المالية , نقوم بين فينة وأخرى بزيارات
مفاجئة للدوائر الحكومية ندقق عهدتها . فهل تسمح لنا بجرد
عهدتك ؟
اجابه بثقة مكتملة كالبدر :
ــ على الرحب والسعة , تفضلوا .

إنكمشتُ لحظة قدوم المدققين حتى اصبحتُ كسمسمة لا تُرى
بالعين المجردة .

في البديء , قاما بتقليب الدفاتر ثم عَدّ النقود اللتي بالخزنة . فبلغا
مرادهما في وقت قصير .
نهض كلاهما ثم مدَّ الآخر يده يصافح المحاسب قائلا برِضى وهو
يبتسم :
ــ دفاترك تمام التمام وخزنتك سليمة , أحسنت , وسوف ننسب
لمديرك ليُكافئك .
الحمد للة , لقد خارت قواي ولا أدري كيف حملتني قدماي .
هذه ثاني غلطة اقدمت عليها اليوم ولن يتكرّرَ ذلك ابداَ .

كانت الساعة تُشير الى الثانية بعد منتصف الليل . مدَّ يدهُ يدسُّ
الطاقية تحت وسادتها .
فإستيقظتْ ورأتهُ أمامها . همَّتْ بالكلام , ولكنها امسكت خِشية
إثارته .
رنا بنظره نحوها وقال لها صادقاً :
ــ لا تخافي يا إبنتي , لن أسيء إليكِ . جئتُكِ بطاقية الأخفاء ,
إستغللي سحرها بما شئت . فلربما وجودها معك أنسب من
إحتفاظي بها .

كان هناك لصٌّ , وصل قبله بدقائق . سَمِعَ ورأى , إنتظر
حتى غطَّت بالنوم . فسرق الطاقية من تحت وسادتها ثم فرَّ هاربا .

إستيقظتْ كعادتها , قبل السابعة بقليل . راودها الحلم كشريط
لفلم سينمائي مبتور النهاية . لكنها أبت ان تضع له النهاية فتفارقها
برائتها . سحبت يدها المندسة تحت الوسادة قبل ان تغوص في
وحل الأوهام , فالتمعت عيناها بنشوة الإنتصار . إرتدت ملابسها
على عجل وانطلقت الى عملها .

وانتشر الرعب في اركان الحي والأحياء المجاورة . سرقة , قتل ,
اغتصاب ........

ربما ذات يوم , يلتقط الطاقية لص شريف . بوداعة المحبين في طلَّته
وببرائة الأطفال وطموح الجبابرة في إقدامه وجرأته .

زينب البصري
04-01-2009, 10:37 PM
صارت هذه الطاقية نقمة لا نعمة

لو عثرت عليها
لأصبحت قاتلة
لكن لمن...........

هذا سر


اخي فوزي بيترو

رائع في كل ما تجود به قريحتك

اختك

زينب

محمد السقار
04-04-2009, 09:33 AM
فوزي بيترو


::
خيال خصب اخذنا وراء احداث صاغها
قلم نقي يمتلك جميع مفاتيح ابواب قلوبنا
واهتماماتنا
نص عذب استمتعت جدا بقراءته
وادركت ما يرمي اليه
وراقني جدا ان اعيش لحظاته

::
محبتي وتقديري