عواطف عبداللطيف
09-18-2008, 01:42 PM
من الأخلاق التي تؤلف بين القلوب وتحفظ سلامة الصدور:
حسن الظن بالمسلمين، واجتناب الشك فيهم أو اتهامهم بمجرد الظن،
فالمؤمن سليم القلب للعباد، يغلب على قلبه حسنُ الظن بالمؤمنين في كل ما أمكن فيه العذر، وقد قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)) (الحجرات: 12) أي لا تظنوا بأهل الخير سوءاً إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير.
وأخرج الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»( ).
قال ابن عباس: نهى اللهُ تعالى المؤمنَ أن يظُنَّ بالمؤمن شرّاً( ). وقَالَ عُمَرُ رضى الله عنه : «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ سَمِعَ مِنْ أَخِيهِ كَلِمَةً أَنْ يَظُنَّ بِهَا سُوءًا وَهُوَ يَجِدُ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ مَخْرَجًا»( ).
ومن أمثال العرب: «من جعل لنفسه حظاً من حسن الظن يُرَوِّحْ عن قلبه» وهو يضرب في حسن الظن بالأخ عند ظهور الجفاء منه. يعني: أن الرجل إذا رأى من أخيه إعراضاً أو تغيراً فحمله منه على وجه حسن، وطلب له المخارج والعذر خفَّف ذلك عن قلبه، وقلَّ منه غيظه.
وسُمِّي الظن حديثاً؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وكَانَ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ مُخَالَفَةُ الْوَاقِعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى أَمَارَةٍ، وَقُبْحُهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى إظْهَارِهِ، وَأَمَّا الظَّنُّ فَيَزْعُمُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ فَيَخْفَى عَلَى السَّامِعِ كَوْنُهُ كَاذِبًا غالباً، فَكَانَ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَة الَّتِي لَا سَبَب لَهَا كَمَنْ يَتَّهِم رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله «وَلَا تَجَسَّسُوا» وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْص يَقَع لَهُ خَاطِر التُّهْمَة فَيُرِيد أَنْ يَتَحَقَّق فَيَتَجَسَّس وَيَبْحَث وَيَسْتَمِع، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.
وقد دَلَّ سِيَاق الْآيَة عَلَى الْأَمْر بِصَوْنِ عِرْض الْمُسْلِم غَايَة الصِّيَانَة، لِتَقَدُّمِ النَّهْي عَنْ الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ، فَإِنْ قَالَ الظَّانّ: أَبْحَثُ لِأَتَحَقَّق، قِيلَ لَهُ: ((وَلَا تَجَسَّسُوا))، فَإِنْ قَالَ: تَحَقَّقْت مِنْ غَيْر تَجَسُّس قِيلَ لَهُ: ((وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا))( ).
وقد فسر بعض أهل العلم الشِّقْوة في قوله تعالى على لسان أهل النار ((غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا)) (المؤمنون: 106) بأنها: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق( ).
وسبب تحريم ظن السوء: أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً، إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل، فما لم تشاهده ولم تسمعه ثم وقع في قلبك فإنما ألقاه الشيطان إليك، فينبغي أن تكذبه، فإنه أفسق الفساق.
ومن حكم بشئ على غيره بالظن بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة، فيهلك، أو يقصر في القيام بحقوقه، أو ينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيراً منه، وكل ذلك من المهلكات، ولذلك منع الشرع من التعرض للتهم( ).
ولله در المتنبي إذ يقول:
إذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ
وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَعَادَى مُحِـِّبيِه بِقَوْلِ عَـدُوِّهِ
وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ
وها هم المنافقون لما ساء ظنهم بأطهر الطاهرات وأطيب الطيبات وأشرف العفيفات لم يتورعوا عن اتهامها بالباطل والخوض في عرضها الطاهر بالظن، ففضحهم الله وأظهر براءتها ونقاء ذيلها الطاهر، وعاتب المؤمنين الذين لم يبادروا إلى حسن الظن بأم المؤمنين، فقال تعالى: ((لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)) (النور: 12). وهذا النظر السديد هو الذي وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما.
روى ابن إسحاق عَن بَعْض رجال بَنِي النجار أَن أبا أيوب خَالِد بْن زَيْد رضى الله عنه قَالَتْ لَهُ امرأته أمُّ أيوب: يا أبا أيوب، أَلَا تسمع مَا يَقُول النَّاس فِي عَائِشَة؟ قَالَ: بلى وَذَلِكَ الكذب، أكنتِ يا أمَّ أيوب فاعلة ذَلِكَ؟ قَالَتْ: لا والله مَا كنت لأفعله، قَالَ: فعائشة والله خير منك( ).
وفي المقابل فإن المسلم ينبغي أن يتجنب مواطن الريبة والشك، حتى لا يظن به السوء، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الشيخان عنْ صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَزُورُهُ فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا»( ).
ومن لطائف ما وقع من ذلك: ما أخرج الطبراني عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: اشْتَرَيْنَا مِنَ ابْنِ عُمَرَرضى الله عنه بَيْتًا فَجَلَسَ عَلَى الْبَابِ فَكَثُرَ الْغُبَارُ فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا لا نَأْخُذُ إِلا حَقًّا وَلا نُخَوِّنُكَ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الظَّنَّ( ). فظل جالسا والغبار يتطاير عليه حتى ينتهي المشترون من التسلم، ولا يقع في نفوسهم شيءٌ لو ذهب وتركهم.
قال الخليل بن أحمد: «أربعٌ تُعْرَف بهن الأخوة: الصفح قبل الانتقاد له، وتقديم حسن الظن قبل التهمة، وبذل الود قبل المسألة، ومخرج العذر قبل العتب»( ).
أسأل الله أن يصفي قلوبنا، وأن يرزقنا حسن الظن بإخواننا، وألا يجعل للشيطان على قلوبنا سبيلا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د.عبدالرحيم البر
حسن الظن بالمسلمين، واجتناب الشك فيهم أو اتهامهم بمجرد الظن،
فالمؤمن سليم القلب للعباد، يغلب على قلبه حسنُ الظن بالمؤمنين في كل ما أمكن فيه العذر، وقد قال تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)) (الحجرات: 12) أي لا تظنوا بأهل الخير سوءاً إن كنتم تعلمون من ظاهر أمرهم الخير.
وأخرج الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»( ).
قال ابن عباس: نهى اللهُ تعالى المؤمنَ أن يظُنَّ بالمؤمن شرّاً( ). وقَالَ عُمَرُ رضى الله عنه : «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ سَمِعَ مِنْ أَخِيهِ كَلِمَةً أَنْ يَظُنَّ بِهَا سُوءًا وَهُوَ يَجِدُ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ مَخْرَجًا»( ).
ومن أمثال العرب: «من جعل لنفسه حظاً من حسن الظن يُرَوِّحْ عن قلبه» وهو يضرب في حسن الظن بالأخ عند ظهور الجفاء منه. يعني: أن الرجل إذا رأى من أخيه إعراضاً أو تغيراً فحمله منه على وجه حسن، وطلب له المخارج والعذر خفَّف ذلك عن قلبه، وقلَّ منه غيظه.
وسُمِّي الظن حديثاً؛ لِأَنَّهُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وكَانَ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ مُخَالَفَةُ الْوَاقِعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى أَمَارَةٍ، وَقُبْحُهُ ظَاهِرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى إظْهَارِهِ، وَأَمَّا الظَّنُّ فَيَزْعُمُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى شَيْءٍ فَيَخْفَى عَلَى السَّامِعِ كَوْنُهُ كَاذِبًا غالباً، فَكَانَ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمُرَاد بِالظَّنِّ هُنَا التُّهْمَة الَّتِي لَا سَبَب لَهَا كَمَنْ يَتَّهِم رَجُلًا بِالْفَاحِشَةِ مِنْ غَيْر أَنْ يَظْهَر عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِيهَا، وَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْله «وَلَا تَجَسَّسُوا» وَذَلِكَ أَنَّ الشَّخْص يَقَع لَهُ خَاطِر التُّهْمَة فَيُرِيد أَنْ يَتَحَقَّق فَيَتَجَسَّس وَيَبْحَث وَيَسْتَمِع، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ.
وقد دَلَّ سِيَاق الْآيَة عَلَى الْأَمْر بِصَوْنِ عِرْض الْمُسْلِم غَايَة الصِّيَانَة، لِتَقَدُّمِ النَّهْي عَنْ الْخَوْض فِيهِ بِالظَّنِّ، فَإِنْ قَالَ الظَّانّ: أَبْحَثُ لِأَتَحَقَّق، قِيلَ لَهُ: ((وَلَا تَجَسَّسُوا))، فَإِنْ قَالَ: تَحَقَّقْت مِنْ غَيْر تَجَسُّس قِيلَ لَهُ: ((وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا))( ).
وقد فسر بعض أهل العلم الشِّقْوة في قوله تعالى على لسان أهل النار ((غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا)) (المؤمنون: 106) بأنها: حسن الظن بالنفس وسوء الظن بالخلق( ).
وسبب تحريم ظن السوء: أن أسرار القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً، إلا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل، فما لم تشاهده ولم تسمعه ثم وقع في قلبك فإنما ألقاه الشيطان إليك، فينبغي أن تكذبه، فإنه أفسق الفساق.
ومن حكم بشئ على غيره بالظن بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة، فيهلك، أو يقصر في القيام بحقوقه، أو ينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيراً منه، وكل ذلك من المهلكات، ولذلك منع الشرع من التعرض للتهم( ).
ولله در المتنبي إذ يقول:
إذَا سَاءَ فِعْلُ الْمَرْءِ سَاءَتْ ظُنُونُهُ
وَصَدَّقَ مَا يَعْتَادُهُ مِنْ تَوَهُّمِ
وَعَادَى مُحِـِّبيِه بِقَوْلِ عَـدُوِّهِ
وَأَصْبَحَ فِي لَيْلٍ مِنَ الشَّكِّ مُظْلِمِ
وها هم المنافقون لما ساء ظنهم بأطهر الطاهرات وأطيب الطيبات وأشرف العفيفات لم يتورعوا عن اتهامها بالباطل والخوض في عرضها الطاهر بالظن، ففضحهم الله وأظهر براءتها ونقاء ذيلها الطاهر، وعاتب المؤمنين الذين لم يبادروا إلى حسن الظن بأم المؤمنين، فقال تعالى: ((لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)) (النور: 12). وهذا النظر السديد هو الذي وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما.
روى ابن إسحاق عَن بَعْض رجال بَنِي النجار أَن أبا أيوب خَالِد بْن زَيْد رضى الله عنه قَالَتْ لَهُ امرأته أمُّ أيوب: يا أبا أيوب، أَلَا تسمع مَا يَقُول النَّاس فِي عَائِشَة؟ قَالَ: بلى وَذَلِكَ الكذب، أكنتِ يا أمَّ أيوب فاعلة ذَلِكَ؟ قَالَتْ: لا والله مَا كنت لأفعله، قَالَ: فعائشة والله خير منك( ).
وفي المقابل فإن المسلم ينبغي أن يتجنب مواطن الريبة والشك، حتى لا يظن به السوء، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج الشيخان عنْ صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَزُورُهُ فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ. وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا»( ).
ومن لطائف ما وقع من ذلك: ما أخرج الطبراني عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: اشْتَرَيْنَا مِنَ ابْنِ عُمَرَرضى الله عنه بَيْتًا فَجَلَسَ عَلَى الْبَابِ فَكَثُرَ الْغُبَارُ فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّا لا نَأْخُذُ إِلا حَقًّا وَلا نُخَوِّنُكَ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ الظَّنَّ( ). فظل جالسا والغبار يتطاير عليه حتى ينتهي المشترون من التسلم، ولا يقع في نفوسهم شيءٌ لو ذهب وتركهم.
قال الخليل بن أحمد: «أربعٌ تُعْرَف بهن الأخوة: الصفح قبل الانتقاد له، وتقديم حسن الظن قبل التهمة، وبذل الود قبل المسألة، ومخرج العذر قبل العتب»( ).
أسأل الله أن يصفي قلوبنا، وأن يرزقنا حسن الظن بإخواننا، وألا يجعل للشيطان على قلوبنا سبيلا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د.عبدالرحيم البر