المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأسرع من سرعة الضوء


فوزي بيترو
03-02-2009, 12:52 AM
الأسرع من سرعة الضوء

خرجت الكلمات من فمه تتدحرج وكأنها كومة حجارة تتساقط من على قمة
جبل الى وادٍ سحيق .
ــ انظري مَنْ بالباب يا ام جعفر .
وفيما كانت ام جعفر منهمكة في اعادة ترتيب السرير الذي يرقد عليه زوجها. استقامت مذهولة , فهذه اول مرّة يتكلم بها ابو جعفر منذ ان سقط طريحا بالفراش قبل حوالي السنة . فَقَدَ خلالها حرية حركة اطرافه وحاسة السمع والقدرة على النطق .
ربما يكون الطارق انسانا عزيزا على قلب ابو جعفر , ويرغب بشدة في لقائه .
او ربما تكون ام جعفر تتوق شفاء زوجها فتوهمت الحدث حتى تجسَّد واصبح حقيقة .
عادت الكلمات تنهمر من فم ابو جعفر كمطر طال انحباسه .
ــ ما بالك يا امرأة ؟ هناك ضيف بالباب , أدخليه , لقد اشتقت للصحبة ولللأصحاب .

قبل ان يسقط الدكتور عادل مريضا , كان بيته, صالون يجمع الأصدقاء , الحميمين منهم والفاترة صلاتهم . كانت روحه ملاذ التائهين الباحثين عن السكينة . وكانت عظاته دربا للَّلاهثين وراء الحقيقة . في حين كان الحديث في السياسة وفي الأدب والشعر وفي الفنون يستحوذ جُلَّ الوقت . لم تخلو جلسات الصالون من سمر ونكات فاضحة ولعب الشدة والطاولة .
ولم تبخل ام جعفر زوجة الدكتور عادل يوما في إعداد الطعام والشراب لهم , حتى باتت تتقن ادراك مذاق كل ضيف فتصنع له اكلته المفضلة . فبدت كالشريك الواجب حضوره في كل جلسة , وبالرغم انها تملك درجة عالية من الثقافة , لا تقل عن زوجها او عن احد من الحاضرين , إلاّ انها لم تتطفل يوما وتقحم نفسها في آتون حواراتهم . ولكن , ذات يوم لم تستطع كبح جماح لهفتها في الإنصات لجدل طافت سخونته على السطح . وكاد لجم رؤاها في ثوابت تجزم هي بصوابها . كان الحديث عن الروح ومفارقتها للجسد بعد الموت .
بعضهم أسهب بالشرح موضحا ان الروح ما هي سوى نتاج عمليات فيزيائية وكيميائية معقدة , محصلتها دب الحيوية والحياة لهذا الجسد كائنا من يكون , انسانا او حيوانا او حتى نبات . أو نزع هذه الحياة عنه فيتحول الى جماد . وبالتالي ليس هناك روح لكي تنفصل عن الجسد . بالمقابل , وفي الطرف الآخر كانت هناك ام جعفر ويقينها ان الروح هي هبة الخالق لآدم حين جُبِلَ من طين ووُهِبَ الحياة . ولحظة الموت تصعد الروح لواهبها . وفيما تبادلت ام جعفر النظرات مع زوجها الدكتور عادل ومع الدكتور عيسى كأنما تستغيث بهما لنجدتها , وقف الدكتور عيسى مؤيدا يقينها , لا بل أضاف ان للديانات السماوية جميعها نفس اليقين . واستطرد قائلا , ان الروح بعد الموت تبقى تحوم في المكان الذي مات به وفي الأماكن اللتي كان يحبها الى ان يأتي الخوري ويصلي لراحة الميت , فتنصرف الروح صاعدة الى السماء .

فتحت ام جعفر الباب , رأت امامها الدكتور عيسى . لم تتبين ملامحه جلية بسبب وهج نور الشمس الساطع البادي كهالة تحيط برأسه . استدارت وهي ترحب به قائلة :
ــ اهلا بك . ابو جعفر بإنتظارك . من مدة لم تحضر لعل المانع خير ؟ انا وابو جعفر نُجزم بأنك لست كباقي السُمّار الذين انفضّوا عن السامر حين سقط . وهذه هي الحقيقة المؤلمة , كألم الصرس الآتي قبل النوم . فلا جفن لك يغمض قبل شروق الشمس .


جلس الدكتور عيسى قبالة ابو جعفر مبتسما كعادته ثم قال :
ــ لا تهن ولا تحزن . بإذنه تعالى إيمانك سوف يبريك من مرضك وتعود كما كنت واحسن . سوف اغادر الآن , هناك من ينتظرني في البيت .

دخلت ام جعفر الغرفة وبيدها صينية القهوة . رأت زوجها ابو جعفر واقفا بالنافذة وكأنه يودع صديقا . ترنَّحت وكادت ان تسقط على ارض الغرفة من هول المفاجئة . استدار ابو جعفر نحو زوجته ثم قال لها :
ــ من فضلك يا ام جعفر , هاتفي زوجة الدكتور عيسى واطمئني على وصوله للبيت .


اجابته وهي تبتسم :
ــ لقد غادر الدكتور عيسى قبل ثوانٍ.هل اصبحنا في هذا الزمن نتحرك بسرعة تفوق سرعة الضوء يا ابو جعفر ؟ امرك يا سيدي .

عبر صوت زوجة الدكتور عيسى سماعة الهاتف حزينا وهي تقول :
ــ لقد مات زوجي الدكتور عيسى قبل ثلاثة ايام . وها هو الخوري الآن يصلي من أجل راحة نفسه .

صبحي الخطيب
03-02-2009, 08:46 AM
وكاني أراك تفكر في الموت كثيرا ؟؟؟!!!!
أهي لحظة إحساس بالعودة إلى الله والتقرب منه ؟؟
أم هي لحظة رؤيا لا تستطيع امتلاكها ؛
تروح وتجئ تداعب أم عقلك ؟؟
كثيرة هي خطايانا في الأرض ..
وأكثر من ذلك رحمة ربك في السماء .
جميل أن نستشف الإيمان في لحظات سريعة .
نحتاجها تلك اللحظات .. ونُـسقط عليها كل صراعات النفس ؛
وجلدات الذات .. نغسل همومنا وذنوبنا ؛ في حوارية بين الخير والشر ؛
الأنا والأنا الأعلى .. الصح والخطأ ..
ولكن دع الأقدار تفعل ما تشاء .
ما بأيدينا خلقنا تعساء !!!
تحياتي

محمد السقار
03-02-2009, 09:22 AM
فوزي بيترو



من منا يملك حق البقاء والخلود
لا احد .. ومن منا يدرك متى يكون منتهاه
ايضا لا احد .. ما اريد ان اقوله
ان النهايه ومفارقة الروح امر لا يتحدد
بالحال الصحي فكم صحيح مات قبل اوانه
وكم عليل عاش حينا من الدهر او كما قال شاعر البيت
والروح يا صديقي كما نعلم جميعنا هي امر من الله سبحانه
ليست شيئا ملموسا
{ يسئلونك عن الروح قل الروح امر من عند ربي}

::
قصة جميله استمتعت بقراءتها جداً
كل الشكر لقلبك الذي يمدنا دائما بما لذ وطاب
من الكلمات الجميلة

كن بخير
محبتي وتقديري

فوزي بيترو
03-02-2009, 05:38 PM
وكأني أراك اخي صبحي الخطيب
تقرأ ما بين السطور
وما الكاتب سوى نزف لحالة عايشها أو بوح لمعاناة

عساي أن تكون دائما بخير
اخوك فوزي بيترو

فوزي بيترو
03-02-2009, 05:47 PM
{ يسئلونك عن الروح قل الروح امر من عند ربي}

هي حدوتة مزجت فيها الواقع بالخيال
وصديقي ابو جعفر لم يزل طريح الفراش
من شدة حبي له . نسجت هذه القصة القصيرة
والله كريم

ودمت اخي محمد السقار سليما معافى
اخوك فوزي بيترو

رنين القيد
03-05-2009, 11:18 AM
؛

في الأدب الأمريكي قرأت

أن الروح تبقى تحوم إذا كان لها مأرب لم تحققه

والدكتور عيسى كان أمله أن يرى صديقه أبو جعفر قبل أن تصعد روحه لمستقرها

:

قال تعالى في كتابه العزيز : (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) (السجدة:11)

أبجدية الحياة مولد ووفاة ..

أين ومتى هذا في علم الغيب

فالمريض الذي تتوقع موته يشفى ويعود كما كان

والصحيح الذي ترجو بقائه يموت في غمضة عين

الأستاذ فوزي بيترو

رائع أنت

تحياتي

رنين القيد

عواطف عبداللطيف
03-09-2009, 11:29 AM
هي اشياء تحدث

وامور تدور لا نفهمها

الا انها تعطي انطباع بتعلق الروح

لا يعلمها الا الله

كتب الله الشفاء

دمت برقي

تحياتي

فوزي بيترو
03-10-2009, 12:51 PM
العزيزة رنين القيد
هي هلوسات انسان يتمنى الشفاء لصديقه
اما اضافتك ان عيسى كان يروم لقاء صديقه ابو جعفر قبل ان تصعد روحه لمستقرها
فقد أضافت للنص بعدا جميلا وثريا كان غائبا عن بالي
اشكرك
فوزي بيترو

فوزي بيترو
03-10-2009, 12:54 PM
وللرائعة عواطف عبد اللطيف
كل الود والتقدير لمرورها الدائم على جل ما يكتب في المنتدى
اشكرك
فوزي بيترو

آمالي الاحمد
03-13-2009, 03:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم ( ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )
صدق الله العظيم

تحيتي أستاذي بيترو


كن بخير