فوزي بيترو
02-12-2009, 02:06 PM
]صراع في الغابة
النمر والبيضة
لم تمر غابتنا بمثل ما نحن به من قحط وجفاف مُنذُ أن سَجَّلَ التاريخ لسنوات جوع مَضَتْ في
ذلك الزمان الغابر . فكشفت الأيام عن انيابها لتُصيب جميع حيوانات الغابة بالهزال الذي
ضرب سِمانها وعجافها بنفس القدر . الأرض عطشى . وأوراق الشجر بدأت تذبل وتتساقط
من على أغصان هشة . فضاق كثيرون بحياتهم حتى اصبحت مناجاة النجوم ملاذهم الوحيد .
إستيقظ النمر مع صياح الدِيَكة . صياحٌ خافتٌ خجولٌ يعجز عن ايقاظ وليد بحضن امه . فعَجِبْتُ
للنمرالنائم , كيف سمعه ! سألتُ نفسي فأجابت :
ــ وهل الجَوْعى ينامون ؟
نهض نمرنا عن فراشة , بسْمَلَ ثم بسط راحتيه نحو السماء واخذ يُتمتِم داعيا المولى ان يرزقه
واهل الغابة جميعهم . فرَّش أسنانة وكأنَّ عليها نُتَفَاً من الطعام ! وبدأ يتلمس المكان باحثا عن
إيً شيء يُؤكل , وهو أعلم مني ومنك أن بيته خاوياً , ولكنها عادة .
خرج للخلاء يتدثَّرُ بهلاهيل إتقاء لبرد الصبح علَّه يجد شيئاً يسد بهِ رمقهُ حتى وإن كانت بيضة
عصفور . لم يصدق عينه , رأى بيضة اكبرمن بيضة عصفور , ربما بيضة حمامة او بيضة
دجاجة , لا بل أكبر , إنها بيضة نعامة او ربما لديناصور ؟
قفلَ راجعاً لبيته يحتضن البيضة وقد تضاربت في رأسه أفكارا لا حصر لها كلٌ تحاول
الأستئثار بطهو البيضة حسب مزاجها . فتسائل بعد ان اضناه الفكر :
ــ أأسلقها ؟ أم أقليها ؟
لم يطُل تسائُله , فغمغمَ :
ــ انا احب البيض مسلوقا , سوف أسلقها .
في اثناء انشغاله بمصير البيضة , تناهى الى اذنيه صوت الفهد وكأنه يُحادثُ شخصا ما .
فداعبهُ النمر قائلاً :
ــ ماذا ألمَّ بك أيُّ هالفهد , هل اصبحتَ تُكلِّم نفسك في هذه الأيام ؟
دمعت عيني الفهد وردَّ عليه قائلاً :
ــ عِمتَ صباحاً يا صديقي النمر . هل تعلم , أن فمي لم يذق طعم الزاد منذ أسبوع وأكثر ؟
وأرى البيضة الَّتي تحتضنها تكفينا نحن الأثنين , فهل تقبل ان نتقاسمها سوياً ؟
لم يتوقع النمر ان يشاهد الفهد يوما بهذه الصورة ً . فأومأ برأسه مستجيبا لنداء الأستغاثة هذا .
وتمتمَ في سِرِّه قائلاً :
ــ ما هي إلاّ سداد دين على أي حال .
وقال له بطيب خاطر ورضى :
ــ تفضَّلْ , سوف أسلق البيضة وأقسمها مناصفة بيني وبينك .
رفع الفهد يده كتلميذ مؤدب وقال بصوت منخفض :
ــ مهلاً يا صديقي النمر , سوف نقليها ونتقاسمها , فأنا لا احب البيض مسلوقاً .
ردَّ عليه النمر بتصميم وإصرار :
ـ لكنك تعلم أني لا أحب البيض المقلي .
فما كان من الفهد سوى ان يخاطبه بجرأته المعهودة قائلا :
ــ وأنت تعلم بأني لا أحب البيض المسلوق .
ردَّ عليه النمر بإزدراء :
ــ البيضة بيضتي يا حضرة الفهد, أطهيها كما أشاء .
تمادى الفهد في جرأته وقال للنمر :
ــ أنا ضيفك , وعليك إحترام رغبتي .
مطَّ النمر شفتيه مستهزئاً :
ــ عندما أدعوك تكون ضيفي , وانا لم افعل . فرضتَ نفسك على مائدتي وانا قبلت مع الأسف .
ردّ عليه الفهد بأسى يخالطه بعض من الكبرياء :
ــ أنا لم أضربك على يدك لتقول لي تفضل , وطالما قلتها فأنا ضيفك . وعليك حق الضيافة .
بدأ النمر يرتجف غيظاً وقال له بحزم :
ــ سحبتها يا أخي , وتفضل انصرف من هنا .
إقْتِتَال الإخوة
لم يصدق الفهد ما سمعه , فأدركتهُ حميته وردَّ عليه بحدّة وعصبية :
ــ أتطرُدني يا عديم الذوق ؟
وبسرعة انقض الفهد على النمر واطبق بفكيه حول عنقه ........
واذا بالأسد يرتفع امامهما متوثباً كالقدر , فصاح مزمجراً :
ــ على رسلكما ايها السفيهين , هل انتهى امركما بالشجار أمامي ! أليسَ لهذه الغابة ملك ؟
اندفع كلاهما نحو الأسد حتى وقفا امامه , سجدا له , وقبَّلا جبينه ووجنتيه إحتراماً ووجلاً .
زمجر الأسد زمجرة اخرى تلقفها سيّارة القوافل البعيدة . وقال لهما بلهجة آمرة :
ــ ساجعلكما عبرة اذا لم تُفصِحا أمامي سبب هذا العراك .
روى كل منهما قصته كما هي بلا زيادة وبلا نقصان .
ابتسم الأسد وقال لهما ساخراً :
ــ اين المشكلة ؟
تردد النمر وهو يرنو الى عينين حادتين ترنوان اليه بتحدٍ فاضح , فتطوَّع لسرد ما غاب عن
ادراك الأسد .
وقال مازحاً :
ــ المشكلة يا سيدنا , انني قبلت الفهد شريكا لي في هذه البيضة لسوء حظي .
بَهَتَتْ ابتسامة الأسد , وحلَّت محلَّها ابتسامة أخرى لا طعم لها ولا لون . وقال في برود :
ــ أفهم من كلامك , انك قد ندمت على قبولك للفهد شريكاً معك في البيضة ؟
ادرك النمر خطورة الموقف وقال متوسلاً ومُبْدِيَاً بذات الوقت بعضاً من كبريائه :
ــ معاذ اللة ان افعل , فأنا نمر يا جلالة الملك والنمور لا يتراجعون عن قرارٍ إتَّخذوه , وكما
ترون جلالتكم . البيضة لا يمكن قسمَها وهي نيئه , اذاً فلا بد من طهيها قبل قسمتها , وقد
تباينت وجهات نظرنا انا والفهد حول طريقة الطهي .
ظنَّ كليهما ان الأسد ما زال يبتسم فبانت نواجذه وهو يقول :
ــ اين المشكلة ... اقصد أين هي تلك البيضة التعيسة ؟ ضعوها أمامي .
وأردف قائلاً بمكر :
ــ هل تعلمان أني لا أحب البيض مسلوقاً, ولا أحبه مقلياً, أحبه نيّ هكذا . هل من مُعترض ؟
تدَلَّى رأسيهما كسنابل قمح أينعت قبل أوانها . البيضة الآن مستقِرَّة في جوف الملك , والملك قد
حكمَ بالعدل ولا نقاش في عدالة حكمه . ادرك النمر , كما ادرك الفهد ايضا فداحة خطأهما ,
فراحا يُنصتان لهسيس الصمت الذي عَمَّ الغابة بأكملها .
هزيمة ودرس
لم يطل صمت الغابة كثيراً بعد ان افتُضِحَ امر البيضة , فخرج الصامتون عن صمتهم , وبدأوا
يتذمرون خلسة وبالعلن .
وقد جاء اليوم الأكبر يوم الخميس , حيث اقام الأسد بمناسبة زفاف ابنه الشبل حفلاً خيالياً لم
تشهد له الغابة مثيلاً , تحدّى جوعهم , في زمن يقتَتِلُ فيه الأخوة من اجل بيضة عصفور او
حتى حبة قمح . وكأنهم كانوا بإنتظار الشعرة اللتي قصمت ظهر البعير , فهرع الجياع
يتدافعون نحو السرادق المُقام يتخاطفون الطعام وينزعون الوتد عن طنبِهِ , فانهار السرادق
فوق الرؤوس وفوق الكؤوس . نزعَ الأسد وضيوفه الجراب عن اسلحتهم , فكشفوا عن انيابهم
وانقضّوا على الجياع بمخالبهم العارية . تصدّى لهم النمر يُسانده الفهد ومن خلفهما جحافل
الحيوانات المقهورة .
وكان يوم , انتصر فيه الجياع على ممتلئي البطون .
يقول التاريخ :
لم يُهزم جائعٌ فوق ارضه قط .
وقد سُجِّلت هذه الواقعة بثورة يوم الخميس .
تحَلَّقت الحيوانات نمرها المنتصر وهم يهتفون :
ــ كنت فين يا نمر واحنا مِندوّرْ عليك . كلنا رجالك يا نمر , بالروح بالدم نفديك .
تُوِّجَ النمر ملكاً للغابة يوم الجمعة التالي ليوم الخميس , فغادرها الأسد ذليلاً وقد صمَّ أذنيه
ضجيج احتفالات النصر . وفي طريقه الى الأختفاء وقف في الخلاء ينصتُ لأول مرّة في
حياته لهسيس صمتٍ قادم من المجهول , ومن خلفه دوي دقات الطبول .
جلس الأسد متكوِّماً فوق همه الذي لا يُدانيه هم . بالأمس كان ملك هذه الغابة . كان شمسها الَّتي
لم تغب عنها يوماً, كان بدرها الذي لم يُفتقد بأحلك لياليها . واليوم , ها هو يلعنُ الساعة التي
تُوِّجَ فيها ملكاً على هذه الحيوانات التي لا تعي مصلحتها أين .
عمَّ الرخاء في بدايات ايام النمر, واستمر حولين الى ان ضرب الجفاف الأرض بقسوة لا سابق
لها . فأخذت الحيوانات تموت جوعاً وعطشاً , وتفشَّت الأمراض فحصدت العفي من حيواناتها
قبل السقيم .
ها هو الوقت العصيب الذي يمتحن الرجال قد عبر بلا إستإذان . وها هو النمر يستذكر الملك
المهزوم بجبروته المدون في صفحات التاريخ .
هل يجثو امام الصعاب ؟ ويلوذ بالفرار ؟ هل يسرق قوت الاطفال ويلوح بعصا العقاب ؟
ام انه قد تعلم درساً ووعى ان لا ملاذ له سوى غابته وحيواناتها ؟[/i]
النمر والبيضة
لم تمر غابتنا بمثل ما نحن به من قحط وجفاف مُنذُ أن سَجَّلَ التاريخ لسنوات جوع مَضَتْ في
ذلك الزمان الغابر . فكشفت الأيام عن انيابها لتُصيب جميع حيوانات الغابة بالهزال الذي
ضرب سِمانها وعجافها بنفس القدر . الأرض عطشى . وأوراق الشجر بدأت تذبل وتتساقط
من على أغصان هشة . فضاق كثيرون بحياتهم حتى اصبحت مناجاة النجوم ملاذهم الوحيد .
إستيقظ النمر مع صياح الدِيَكة . صياحٌ خافتٌ خجولٌ يعجز عن ايقاظ وليد بحضن امه . فعَجِبْتُ
للنمرالنائم , كيف سمعه ! سألتُ نفسي فأجابت :
ــ وهل الجَوْعى ينامون ؟
نهض نمرنا عن فراشة , بسْمَلَ ثم بسط راحتيه نحو السماء واخذ يُتمتِم داعيا المولى ان يرزقه
واهل الغابة جميعهم . فرَّش أسنانة وكأنَّ عليها نُتَفَاً من الطعام ! وبدأ يتلمس المكان باحثا عن
إيً شيء يُؤكل , وهو أعلم مني ومنك أن بيته خاوياً , ولكنها عادة .
خرج للخلاء يتدثَّرُ بهلاهيل إتقاء لبرد الصبح علَّه يجد شيئاً يسد بهِ رمقهُ حتى وإن كانت بيضة
عصفور . لم يصدق عينه , رأى بيضة اكبرمن بيضة عصفور , ربما بيضة حمامة او بيضة
دجاجة , لا بل أكبر , إنها بيضة نعامة او ربما لديناصور ؟
قفلَ راجعاً لبيته يحتضن البيضة وقد تضاربت في رأسه أفكارا لا حصر لها كلٌ تحاول
الأستئثار بطهو البيضة حسب مزاجها . فتسائل بعد ان اضناه الفكر :
ــ أأسلقها ؟ أم أقليها ؟
لم يطُل تسائُله , فغمغمَ :
ــ انا احب البيض مسلوقا , سوف أسلقها .
في اثناء انشغاله بمصير البيضة , تناهى الى اذنيه صوت الفهد وكأنه يُحادثُ شخصا ما .
فداعبهُ النمر قائلاً :
ــ ماذا ألمَّ بك أيُّ هالفهد , هل اصبحتَ تُكلِّم نفسك في هذه الأيام ؟
دمعت عيني الفهد وردَّ عليه قائلاً :
ــ عِمتَ صباحاً يا صديقي النمر . هل تعلم , أن فمي لم يذق طعم الزاد منذ أسبوع وأكثر ؟
وأرى البيضة الَّتي تحتضنها تكفينا نحن الأثنين , فهل تقبل ان نتقاسمها سوياً ؟
لم يتوقع النمر ان يشاهد الفهد يوما بهذه الصورة ً . فأومأ برأسه مستجيبا لنداء الأستغاثة هذا .
وتمتمَ في سِرِّه قائلاً :
ــ ما هي إلاّ سداد دين على أي حال .
وقال له بطيب خاطر ورضى :
ــ تفضَّلْ , سوف أسلق البيضة وأقسمها مناصفة بيني وبينك .
رفع الفهد يده كتلميذ مؤدب وقال بصوت منخفض :
ــ مهلاً يا صديقي النمر , سوف نقليها ونتقاسمها , فأنا لا احب البيض مسلوقاً .
ردَّ عليه النمر بتصميم وإصرار :
ـ لكنك تعلم أني لا أحب البيض المقلي .
فما كان من الفهد سوى ان يخاطبه بجرأته المعهودة قائلا :
ــ وأنت تعلم بأني لا أحب البيض المسلوق .
ردَّ عليه النمر بإزدراء :
ــ البيضة بيضتي يا حضرة الفهد, أطهيها كما أشاء .
تمادى الفهد في جرأته وقال للنمر :
ــ أنا ضيفك , وعليك إحترام رغبتي .
مطَّ النمر شفتيه مستهزئاً :
ــ عندما أدعوك تكون ضيفي , وانا لم افعل . فرضتَ نفسك على مائدتي وانا قبلت مع الأسف .
ردّ عليه الفهد بأسى يخالطه بعض من الكبرياء :
ــ أنا لم أضربك على يدك لتقول لي تفضل , وطالما قلتها فأنا ضيفك . وعليك حق الضيافة .
بدأ النمر يرتجف غيظاً وقال له بحزم :
ــ سحبتها يا أخي , وتفضل انصرف من هنا .
إقْتِتَال الإخوة
لم يصدق الفهد ما سمعه , فأدركتهُ حميته وردَّ عليه بحدّة وعصبية :
ــ أتطرُدني يا عديم الذوق ؟
وبسرعة انقض الفهد على النمر واطبق بفكيه حول عنقه ........
واذا بالأسد يرتفع امامهما متوثباً كالقدر , فصاح مزمجراً :
ــ على رسلكما ايها السفيهين , هل انتهى امركما بالشجار أمامي ! أليسَ لهذه الغابة ملك ؟
اندفع كلاهما نحو الأسد حتى وقفا امامه , سجدا له , وقبَّلا جبينه ووجنتيه إحتراماً ووجلاً .
زمجر الأسد زمجرة اخرى تلقفها سيّارة القوافل البعيدة . وقال لهما بلهجة آمرة :
ــ ساجعلكما عبرة اذا لم تُفصِحا أمامي سبب هذا العراك .
روى كل منهما قصته كما هي بلا زيادة وبلا نقصان .
ابتسم الأسد وقال لهما ساخراً :
ــ اين المشكلة ؟
تردد النمر وهو يرنو الى عينين حادتين ترنوان اليه بتحدٍ فاضح , فتطوَّع لسرد ما غاب عن
ادراك الأسد .
وقال مازحاً :
ــ المشكلة يا سيدنا , انني قبلت الفهد شريكا لي في هذه البيضة لسوء حظي .
بَهَتَتْ ابتسامة الأسد , وحلَّت محلَّها ابتسامة أخرى لا طعم لها ولا لون . وقال في برود :
ــ أفهم من كلامك , انك قد ندمت على قبولك للفهد شريكاً معك في البيضة ؟
ادرك النمر خطورة الموقف وقال متوسلاً ومُبْدِيَاً بذات الوقت بعضاً من كبريائه :
ــ معاذ اللة ان افعل , فأنا نمر يا جلالة الملك والنمور لا يتراجعون عن قرارٍ إتَّخذوه , وكما
ترون جلالتكم . البيضة لا يمكن قسمَها وهي نيئه , اذاً فلا بد من طهيها قبل قسمتها , وقد
تباينت وجهات نظرنا انا والفهد حول طريقة الطهي .
ظنَّ كليهما ان الأسد ما زال يبتسم فبانت نواجذه وهو يقول :
ــ اين المشكلة ... اقصد أين هي تلك البيضة التعيسة ؟ ضعوها أمامي .
وأردف قائلاً بمكر :
ــ هل تعلمان أني لا أحب البيض مسلوقاً, ولا أحبه مقلياً, أحبه نيّ هكذا . هل من مُعترض ؟
تدَلَّى رأسيهما كسنابل قمح أينعت قبل أوانها . البيضة الآن مستقِرَّة في جوف الملك , والملك قد
حكمَ بالعدل ولا نقاش في عدالة حكمه . ادرك النمر , كما ادرك الفهد ايضا فداحة خطأهما ,
فراحا يُنصتان لهسيس الصمت الذي عَمَّ الغابة بأكملها .
هزيمة ودرس
لم يطل صمت الغابة كثيراً بعد ان افتُضِحَ امر البيضة , فخرج الصامتون عن صمتهم , وبدأوا
يتذمرون خلسة وبالعلن .
وقد جاء اليوم الأكبر يوم الخميس , حيث اقام الأسد بمناسبة زفاف ابنه الشبل حفلاً خيالياً لم
تشهد له الغابة مثيلاً , تحدّى جوعهم , في زمن يقتَتِلُ فيه الأخوة من اجل بيضة عصفور او
حتى حبة قمح . وكأنهم كانوا بإنتظار الشعرة اللتي قصمت ظهر البعير , فهرع الجياع
يتدافعون نحو السرادق المُقام يتخاطفون الطعام وينزعون الوتد عن طنبِهِ , فانهار السرادق
فوق الرؤوس وفوق الكؤوس . نزعَ الأسد وضيوفه الجراب عن اسلحتهم , فكشفوا عن انيابهم
وانقضّوا على الجياع بمخالبهم العارية . تصدّى لهم النمر يُسانده الفهد ومن خلفهما جحافل
الحيوانات المقهورة .
وكان يوم , انتصر فيه الجياع على ممتلئي البطون .
يقول التاريخ :
لم يُهزم جائعٌ فوق ارضه قط .
وقد سُجِّلت هذه الواقعة بثورة يوم الخميس .
تحَلَّقت الحيوانات نمرها المنتصر وهم يهتفون :
ــ كنت فين يا نمر واحنا مِندوّرْ عليك . كلنا رجالك يا نمر , بالروح بالدم نفديك .
تُوِّجَ النمر ملكاً للغابة يوم الجمعة التالي ليوم الخميس , فغادرها الأسد ذليلاً وقد صمَّ أذنيه
ضجيج احتفالات النصر . وفي طريقه الى الأختفاء وقف في الخلاء ينصتُ لأول مرّة في
حياته لهسيس صمتٍ قادم من المجهول , ومن خلفه دوي دقات الطبول .
جلس الأسد متكوِّماً فوق همه الذي لا يُدانيه هم . بالأمس كان ملك هذه الغابة . كان شمسها الَّتي
لم تغب عنها يوماً, كان بدرها الذي لم يُفتقد بأحلك لياليها . واليوم , ها هو يلعنُ الساعة التي
تُوِّجَ فيها ملكاً على هذه الحيوانات التي لا تعي مصلحتها أين .
عمَّ الرخاء في بدايات ايام النمر, واستمر حولين الى ان ضرب الجفاف الأرض بقسوة لا سابق
لها . فأخذت الحيوانات تموت جوعاً وعطشاً , وتفشَّت الأمراض فحصدت العفي من حيواناتها
قبل السقيم .
ها هو الوقت العصيب الذي يمتحن الرجال قد عبر بلا إستإذان . وها هو النمر يستذكر الملك
المهزوم بجبروته المدون في صفحات التاريخ .
هل يجثو امام الصعاب ؟ ويلوذ بالفرار ؟ هل يسرق قوت الاطفال ويلوح بعصا العقاب ؟
ام انه قد تعلم درساً ووعى ان لا ملاذ له سوى غابته وحيواناتها ؟[/i]