المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : " الغروب " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس )


فيصل الزوايدي
12-18-2008, 12:32 AM
الغـــروب ..

أَنا مَن هَدَّه الشوقُ إليَّ ، و أَخَذَه الـهمُّ بعيدًا بعيدًا عَني .. و أَلزَمَني زَمَني ما لا أُطيق ..
فَلَيْتَ أَنسى .. وكيفَ أنسى وذا فَحيحُ ذِكرى أَطلَقَت سُـمومَها فـي دِمائي فَلا تُـجدي مَعَها الأمصالُ و إِنْ جَرَّبتُها ..و ذا هُم أَحِبَّةٌ صَدَقوا ولَكِن رَحَلوا ، بِالـمَوتِ اعتَذَروا ، و ما تُـجدي ، عِنْدَ الرحيلِ ، الـمعاذيرُ..أُفيقُ و تُفيقُ مَعي الذكرى موجِعَةً كالقَهرِ أَو كَالـمَوتِ نَفسِهِ ، أَحسِرُ عَنـي لِـحافًا بَسيطًا كانَ ليُطرُدَ البردَ و الـخوفَ عنّي .. أسيرُ نَـحوَ الـمِرآةِ فلا أرى إلا وَجهَهُ بِفَيْضِ ابتِسامَتِهِ الغامِرَةِ و الشيبِ الذي جَلَّلَهُ وَقارًا .. كانت الشعراتُ البيضاءُ بَيارِقَ الرحيلِ يَومَ اِلتَمَعَت فـي رأسِهِ تُؤذِنُ بِوَداعٍ مَـحتومٍ .. أجابَنا لا أَدري جادًّا أَمْ عابِثًا يَوْمَ سَأَلْناهُ عَن ذَلِكَ اللونِ الـجديدِ : هِيَ الشمسُ لا تَـمَلُّ شُروقًا و غُروبًا .. كَم أَشرَقَت و كَم غَرُبَت .. أَنْتَزِعُني مِن أَمامِ الـمِرآةِ فَقَد وَمَضَ بَريقٌ فـي عَينيَّ .. أَسيرُ وَجِلا إلـى الـمغسَلِ فأَغسِلُ وَجهي عَجٍلا ، مُتَجَنِّبًا النظَرَ إلى الـمِرآةِ الـمُواجِهَةِ خِشيَةَ أَنْ أَجِدَهُ قبالتي لَكِن يَدي تَـجَمَّدَت على مِقبَضِ الـحَنَفِيَّةِ ، فَقَد كانَت يَدُهُ الـمَعروقَةُ هِيَ التي تُـحكِمُ إِغلاقَ الـمِقبَضَ بِـحِرصِهِ الشديدِ على الـماءِ ، أَقتَلِعُني بِعُنفٍ و أَتَـحَرَّكُ مُتَعَثِّرًا أو مُتَبَعثِرًا.. أُغادِرُ الـمَكانَ و أُسرِعُ إلى غُرفَتـي و لَكن يَبدو أَنَّني قَد تُـهتُ إِذْ وَجدتُني فِي غُرفَتِهِ هُوَ .. كانَت رائِحته الـمُمَيَّزَةُ ما تَزالُ عَطِرَةً في الـمَكانِ .. هذا مَضجَعُهُ و تِلكَ ثِيابُهُ وذاكَ مَكتَبُهُ .. ما زالَ دفتَرُهُ مَفتوحًا على الطاولةِ ،كما تركَهُ في تلك الليلةِ فَقَد كانَ يُسَجِّلُ كل يوم أحداثَ يَومِهِ.. ترددت في مسامعي شَكواه الدَّائمَةَ مِن الزمَنِ .. ما لـي مِنْ عَدُوٍّ غيره .. قالَ هذا لـي يومًا وقد كان يُرَدِّدُهُ دَوْمًا .. أَقرَأُ فـي الصفحةِ الـمفتوحةِ أَمامي :" إِنَّـما تقتُلُنا الـحَسرَةُ .. وما جَدوى أَنْ تُسجِّلَ هزيـمَتَكَ ؟" لا أَجرُؤُ على قولِ أي كلامٍ .. تَـمامًا مِثلَ ذلكَ اليومِ .. إِذَا يَهوي الأحبَّةُ إلى الترابِ فَما كَلامٌ يُسلّيني .. أُحاوِلُ الهربَ مِنَ الـحسرَةِ خِشيَةَ أَنْ يَـمضي الوقتُ ، لا أَبـحَثُ عَن ساعَةٍ و لا أحاولُ البَحثَ عَنها فانأ اعلم أنني لن أجد واحدة .. قَد كانَ يَكرَهُ الساعاتِ بُغضًا ، يَكرَهُ حَرَكَتها لا تَتَوَقَّفُ ولا تستَريحُ و لا تَعودُ مَرَّةً .. يَكرَهُ اِستِنـزافَها الـمريرَ لِلعُمرِ .. تَزيدُ لِيَنقُصَ ، هَكذا تَقولُ الأحجِيَةُ .. هل اِعتَقَدْتَ يَومًا أَنْ تَكونَ حَياتُكَ أُحجِيَةً ساذجَةً يَرويها الصبيانُ بِتَفَاخُرٍ ؟؟؟
أُحاوِلُ الفكاكَ مِن هذه الـمتاهةِ فَأُغادِرُ الـمكانَ نَـحوَ آخر .. إِذَا كانَ الزمانُ يَأْبـى الثبات فالأماكِنُ تَأبـى الـحَرَكَةَ .. أَسيرُ نَـحوَ غرفةِ نَومي مـرةً أخرى و أَنا أَتَوقَّعُ أَن أَجِدَها فـي مَكانِـها ، لا أَدري كَيفَ وَجدتُ نفسي في غُرفَةِ الـجلوسِ أُجيلُ البَصَرَ في أَشيائِها الـمُبَعثَرَةِ كأَحاسيسي ،الـمُشوَّشَةِ كَأََفكاري .. على صَدرِ الـحائطِ لَوحةٌ كبيرةٌ مَارَسَ الزمنُ نزواتِهِ العجيبةَ على إِطارِها الـمُذَهَّبِ فَأَحالَهُ باهِتًا .. كانتِ اللوحةُ صورةَ الفَقيدِ .. الـجاذبيةُ عنيفةٌ اِقتادَتْنـي إلـى تَأَمُّلِها بِشَغَفٍ كأنـي لا أَعرِفُ صاحبَها ..
أَقِفُ أمامَ صورَتِهِ و لَكِنّـي أَنظُرُ إليه بِإِشفاقٍ وَ حَسرَةٍ كَأَنـي أَعرِفُهُ .. أَتَأَمَّلُ عَيْنَيْهِ العَميقَتَيْنِ بِتِلكَ النظرَةِ الغائِمَةِ ... أَنظُر في الصورَةِ طَويلا و أَرحَلُ بَعيدًا بَعيدًا عَنّـي، إذ أَنسى العالـمَ مِن حَولـي و أَنسى كثيرًا مـما ظَنَنْتُ أَنـي لا أَنساه ..و لكننـي أعودُ بَغتَةً لأُفيقَ فَإذا بـالصورةِ لَـم تَكُن إلا صورَتـي أَنـا ..

فيصــــل الــــــزوايــــدي

عواطف عبداللطيف
12-18-2008, 12:35 AM
سعيدة ان اكون اول من يفتح زجاجة العطر لغروبك

دمت بكل خير

تحياتي وتقديري

فيصل الزوايدي
12-18-2008, 02:20 AM
سعيدة ان اكون اول من يفتح زجاجة العطر لغروبك

دمت بكل خير

تحياتي وتقديري

و يسعدني ايضا ان تشرقي على النص أولا اخت عواطف إذ انني اعتز باطلالتك و برأيك كثيرا
دمت في الخير

محمد السقار
12-22-2008, 09:29 AM
فيصل الزوايدي
اوقاتك عسل

يا صاحب القلم الذهبي الذي لا يكتب
الا بما يوازي الذهب قيمه ولونا وبريقاً
حروف قوية تشبع الذاكره وتتغلغل في القلب
لتتركه سعيدا منتشياً لذة القراءة والتحليق

تمتعت جدا هنا يا صديقي الحميم بما تركته لنا
من بديع الحرف

كن كما انت بكل الق وخير

لقلبك الود والورد والمحبة

فيصل الزوايدي
12-23-2008, 04:24 PM
فيصل الزوايدي
اوقاتك عسل

يا صاحب القلم الذهبي الذي لا يكتب
الا بما يوازي الذهب قيمه ولونا وبريقاً
حروف قوية تشبع الذاكره وتتغلغل في القلب
لتتركه سعيدا منتشياً لذة القراءة والتحليق

تمتعت جدا هنا يا صديقي الحميم بما تركته لنا
من بديع الحرف

كن كما انت بكل الق وخير

لقلبك الود والورد والمحبة
أخت محمد السقار .. أعتز بهذه الشهادة في النص و صاحبه كثيرا و انا ممتن للتفاعل الراقي ، كعهدي بك ، و لدعمك الاخوي المتواصل ..
دمت في الخير
مودتي

نسائم الليل
12-25-2008, 06:20 PM
قصة غروب تبعث في النفس الحزن

ما هذا المأتم ؟

حينما تبحث بين الصور لا تجد سوى صورتك

معلقة على حيطان الذات

فيصل الزوايدي

قلمـ يدخل في القلب دون استئذان

شكرا لـ مدادكَ

وعطر يراعكَ

فيصل الزوايدي
12-25-2008, 11:17 PM
قصة غروب تبعث في النفس الحزن

ما هذا المأتم ؟

حينما تبحث بين الصور لا تجد سوى صورتك

معلقة على حيطان الذات

فيصل الزوايدي

قلمـ يدخل في القلب دون استئذان

شكرا لـ مدادكَ

وعطر يراعكَ

اهلا بك مجددا اخت نسائم الليل و شكرا للتفاعل الراقي مع القصة و هو ما اعتز به كثيرا اعتزازي بهذه الاشراقة هنا ..
دمت في الخير

رنين القيد
01-02-2009, 12:36 PM
؛
؛
براويز هرمة.. تحيط بذواتنا التائهة

مقيدة على جدران الزمن ... بمسامير نحن طرقناها ....

الكاتب والأديب

فيصل الزوايدي

عندما يذكر الأبداع

لا يخطر على بالي سوى أحرف أربعة

ف ي ص ل

قرأت قصة الرحيل ،، وها أنا اليوم التهمت قصة الغروب بمقلتاي

إلا أني لم أكتفي فهل من مزيد ؟؟

لك كل التحايا التي لا تليق إلا بسمو حرفك

رنين القيد

فيصل الزوايدي
01-02-2009, 05:45 PM
؛
؛
براويز هرمة.. تحيط بذواتنا التائهة

مقيدة على جدران الزمن ... بمسامير نحن طرقناها ....

الكاتب والأديب

فيصل الزوايدي

عندما يذكر الأبداع

لا يخطر على بالي سوى أحرف أربعة

ف ي ص ل

قرأت قصة الرحيل ،، وها أنا اليوم التهمت قصة الغروب بمقلتاي

إلا أني لم أكتفي فهل من مزيد ؟؟

لك كل التحايا التي لا تليق إلا بسمو حرفك

رنين القيد

أختي الكريمة رنين القيد .. سعدت كثيرا بهذا التفاعل الحميمي مع القصة و اعتز برأيك فيها و اشتد ازرا .. لي نصوص اخرى غير الغروب و الرحيل سيسرني كثيرا الاطلاع على رأيك فيها .. و اعدك بالمزيد ان شاء الله ..
دمت في الخير