المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وهم الغواية


فوزي بيترو
11-20-2008, 11:13 AM
وَهْم الغواية

كان الوقت يقترب من الساعة الثانية عشر مساءا , حين هَمَّت رهام بالجلوس فوق المقعد الهزاز
المقابل لجهاز التلفزيون في غرفة المعيشة . بسطت كف يدها وأسندت رأسها , بينما عيناها
ترمقان بدون تركيز او وعي , المثلث الخشبي الكبير والمسطرة التي بشكل حرف t القابعتان
في الغرفة المقابلة . منذ سنتها الأولى بكلية الهندسة وحتى الساعة وهي على ابواب امتحانات
السنة النهائية قبل التخرج , لم تمل رهام رفقة ادواتها الهندسية .
في حين تبدو رهام خالية الذهن , يَنْشَطُ فكرها بإستذكار الحوار الذي تَمَّ بينها وبين صاحب
الشقة حين قامت بالإتفاق معه على شروط الاستئجار وكتابة عقد الإيجار .
كانت رهام تُدرك انه يختلس النظر نحو ردفيها . ونحو صدرها المتوثب . وأن عيناهُ كادتا
الولوج خلف ازرار قميصها النهدي . كانت في سِرِّها سعيدة بذلك . فهذه النظرات تُشعِرها
بالأنوثة , وانها مرغوبة . بذات الوقت فلن تُضيرها طالما لن تتطور لأكثر من النظرة والإعجاب .
حتى وإن إنساق صاحبنا نحو رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي وخطا خطوة نحو التطبيق العملي .
فهي تعي اين تَتَوَضَّعْ الخطوط الحمر . وبإمكانها قَمْعَهُ وقت تشاء . لكن , الريبة والشك تَحيقان
بهذا العجوز المُتَصابي . فلرُبما لا يحتمل قلبه المُتْعَب شدة التأثر إذا تَمَلَّقَتْهُ وبادلته بنظرة تُوحي
بالإستجابة او حتى بإبتسامة . وعلى الأغلب انه سيروح فيها , ويغادر الدنيا .
لكنه والحق يُقال , هو رجل يدفق حنانا ودِفئاً يُشِعَّان من كفِّ يده حين يربت على كتفها , ويلمس
خَدَّها البض , وكذلك حين كان يُمَلِّس شعرها الناعم بحنان ابوي .
هذا الرجل , إما ان يكون صادقا بمشاعره الأبوية , أو ان يكون خبيرا في التعامل مع الأنثى
وإستدراجها حتى تقع في شباكه , والظفر بها .
سَطَعَتْ شُكوكها بخبرته في استدراج الفتيات, كشمس الصباح حين قال لها انه قد شَبَكَ تلفزيون
شقتها بالريسيفر الموجود بشقته المجاورة , مُسْتَأذِنَاً اياها في فرض ذوقه على ما تُشاهد .
وحين تم الاتفاق فيما بينهما على هذا البند , إشترَطَ عليها عدم مشاهدة التلفزيون بعد الساعة
الثانية عشر مساءاً . كي يمارس خصوصيته , و لا تُكْشَفْ ميوله الصبيانية في اختيار البرامج التي
يستمتع بمشاهدتها . والتي تُوحي بِصِلَتها بالمراهقة المُتأخِرة التي تَعْصِف بمن هم في سنه .
ها هي الشمس في كبد السماء ظهرا , وينقشع الضباب كاشفا بواطن الأمور . وبما ان كل ممنوع ,
مرغوب . ما هي إلاّ كبسة زر وتدخل رهام في عالم الفضائيات المُخصص للكبار حصريا, فَتُشْعِل
لديها الرغبة والمغامرة في عبور ما كان محظورا عليها اكتشافه من عوالم تسمع عنها , وتَلْعَبُ شوقاً
لتَطأهَا. وها هي الفرصة سانحة , ليس للمشاهدة فقط , وإنما للإستزادة والتعلُّمْ . عندها سوف تبدأ
بالبحث عن مَنْ بمقدوره إشباع هذه الرغبة لتبيان مدى استيعابها الدروس والحصص الخصوصية لمادة
خارجة عن المنهج الدراسي . وطبعا , للجار حق الشفعة . وهكذا تُستَدرج الضحية نحو جلادها .
أدركت رهام إحكام الفخ الذي نَصَبهُ لها جارها العزيز .
امامها خياران .......
الأول , أن تَتَرَيَّيَث ولا تندفع لرغباتها الخبيثة وتذهب للنوم .
الثاني , أن تسلك الطريق الوعرة و تُشاهد ما يُشاهده جارها من افلام إباحية . على ان تحتاط
بذات الوقت للنار المُنْبَعِثة من شاشة التلفزيون كي لا تصل لها فتشتعل . لكن , الطامة الكبرى تكمن
في حال عدم مقدرتها السيطرة على النيران بوسائلها الذاتية , مما يدفعها للجوء الى طلب المساعدة .
ومضت رهام في دروب التَحَدِّي والتَخَلِّي عن بذرة البرائة الكامنة بذاتها. وقالت لنفسها :
ان التجربة ترفع الانسان على رغمه الى مرتبة صانعي القرار وتطبيقه . ثم قالت لنفسها ايضا :
والأقربون أوْلّى بالمعروف .
يبدو , ان الشرك الذي حيك لها , ربما تعبره برضاها .
ها هي , قد مالت للخيار الثاني . نهضت عن الكرسي الهزاز . دخلت غرفة النوم . ثم خرجت
وقد لَبِسَتْ قميص نوم شفاف متحررة من حمالة الصدر .
جلست على الكرسي الهزاز , ونبضات قلبها تتناغم مع دقات الساعة معلنة انتصاف الليل .
ألتقطت الريموت كنترول عن المنضدة . اسبلت جفنيها كمن يختلس النظر .
ثم ضغطت على زر الإشغال .
إرتَجَفَ قميص نومها حين تَوَثَّبَ جسدها كلبؤة تَتَهَيَّأ لإرضاع جرائها . جالت يدها فوق ثدياها
وكأنها تَرُوم تلقيم الأفواه الجائعة .
شَرَّعت جفنيها , ثم بحلقت بشاشة التلفزيون مندهشة . فأدركها شعور بالخجل من نفسها لم
تعهده طوال حياتها .
ها هو وجه القط توم يملأ شاشة التلفزيون مُلَعِّباً حواجبه ولسانه إستهزائا بالفأر المسكين جيري .
ومن خلفه النمر الوردي يختال على وقع الموسيقى .

محمد السقار
11-22-2008, 06:25 AM
الله الله الله
فيض من الصور الجميلة التي تغشت القلب
فكانت تتسلل الى الاعماق باستعراض مهيب
ما اجمل ادوات الحرف لديك وانت تأخذنا من مكان
الى مكان ومن صورة الى صوره لتتركنا في النهاية
نخوض مع حواسنا الخمس جميع التجارب الروحية
والحسية الرائعه
الاديب الراقي جدا د . فوزي
لا حرمنا الله من بديع حرفك وجميل كلماتك
كن بخير اخي الحبيب
ولقلبك الورد والود والمحبة

فوزي بيترو
12-13-2008, 07:39 PM
شهادتكما اختي حفيظة واخي محمد السقار
هي وسام أعتز به لأنه جاء من مبدعين لي الفخر انهما يقرآن لي .
لي سؤال لو تسمحان لي :
هل الغواية فخ لذيذ نقع فيه بإرادتنا الى ان نكتشف انه اضغاث حلم ؟
وهل حين نندم ونشعر بالخجل . نندم لأننا لسنا أبرياء . أم لأننا لم نعبر الفخ اللذيذ ؟
ولكما مودتي
فوزي بيترو

مصطفى الشبوط
12-14-2008, 03:27 PM
نص شيق يدل على ابداع وتميز واضح

اخي المتالق فوزي بيترو

تقبل مني ارقى تحية على ماخط قلمك

زينب البصري
12-15-2008, 08:05 AM
سبحان الله
وكأني إستقرأت من البداية
كونه الوهم
مقلب
لأنني إعتدت دائماً أن اقرأ لفوزي شيء مختلف
والقالب الكوميدي في تصوير الواقع الحقيقي

أخي فوزي بيترو
تذهلنا كلما قرأناك اكثر

فوزي بيترو
12-16-2008, 11:34 AM
اخي مصطفى
اشكرك لمرورك القيم والدافيء عل وهم الغواية
وصباحك سعيد
اخوك فوزي

فوزي بيترو
12-16-2008, 11:37 AM
اختي زينب البصري
انا سعيد لأني تمكنت ولو للحظة أن اجعل انسانا يبتسم
وسط هذا الكم من القهر الذي نعيشه
اشكرك ولك مودتي
اخوك فوزي

عواطف عبداللطيف
12-17-2008, 05:04 AM
الاستاذ فوزي

نص اعتمد على مشاعر انسانة وجمالية التصوير

حلمت ووجدت كل شئ سراب

فقد كان وهماً

شكرا لك

دمت بخير

تحياتي

محمود الهاشمي
12-19-2008, 12:06 AM
الرائع فوزي بيترو
أشعر بالسعاده دوماً وانا اقراء لك
فأسلوبك في الكتابه ممتع ورائع
وكتاباتك مميزه
الف تحية احترام وتقدير لك ولقلمك الرائع

فوزي بيترو
12-20-2008, 12:07 AM
الاستاذ فوزي

نص اعتمد على مشاعر انسانة وجمالية التصوير

حلمت ووجدت كل شئ سراب

فقد كان وهماً

شكرا لك

دمت بخير

تحياتي
الغواية اوقعت صاحبتنا في دهاليز الوهم
والوهم قاد صاحبتنا نحو فخ الغواية
اشكرك اختي عواطف
فوزي بيترو